سياسة

إغلاق مقرات الشبيبة الثورية في الحسكة.. هل اقتربت النهاية؟

عاد ملف إغلاق مقرات الشبيبة الثورية في الحسكة إلى واجهة المشهد السياسي والأمني في شمال وشرق سوريا، بالتزامن مع تصاعد الانتقادات الكردية والحقوقية لممارسات الحركة، وبعد تسجيل حوادث أمنية وأعمال شغب أدت إلى توتر ملحوظ في مدينتي الحسكة والقامشلي. ويأتي ذلك في لحظة حساسة ترتبط بترتيبات أوسع لإعادة تشكيل المشهد في المنطقة، وسط تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت هذه التطورات تعني اقتراب نهاية التنظيم فعليا.

وبحسب ما أفاد به مراسل سوريا 29 في الحسكة، فإن إغلاق عدد من المقار الرئيسية التابعة للحركة أعاد الجدل بقوة حول مستقبلها، ولا سيما أن اسم “الشبيبة الثورية” يعود إلى الواجهة مع كل توتر أمني أو اعتداء يطال مقرات رسمية أو مؤسسات أمنية في المنطقة. كما تؤكد معطيات ميدانية أن ملف الحركة لم يعد منفصلا عن مسار التفاهمات السياسية والعسكرية الجارية بين دمشق و”قسد”.

ما هي الشبيبة الثورية؟

ظهرت “الشبيبة الثورية” في سوريا عام 2012، وتقدم نفسها على أنها “تنظيم شبابي سياسي واجتماعي مستقل”. غير أن مصادر حقوقية وبحثية تربطها بالمنظومة السياسية والفكرية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي، كما تشير إلى تأثرها المباشر بأفكار عبد الله أوجلان، مؤسس حزب العمال الكردستاني.

وخلال السنوات الماضية، نشطت الحركة في عدة مناطق من شمال وشرق سوريا، عبر مراكز وفعاليات وأنشطة وأكاديميات فكرية موجهة للشباب، ما منحها حضورا ملحوظا في المشهد المحلي، لكنه في الوقت نفسه جعلها موضع اتهامات وانتقادات متزايدة، سواء من سياسيين أكراد أو من باحثين ومؤسسات حقوقية.

انتقادات كردية حادة: ممارسات مدانة وتوتر متصاعد

القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني وعضو مجلس الشعب السوري، عبد الحكيم بشار، وصف ممارسات “الشبيبة الثورية” بأنها “مدانة”، مؤكدا أن استمرار هذه السلوكيات وما يرافقها من توتر واستفزاز “يستدعي موقفا واضحا ومسؤولا من جميع القوى والشخصيات الوطنية، الكردية وغير الكردية، عبر إدانتها وكشف أهدافها وآثارها أمام الرأي العام”.

وأضاف بشار، في بيان له، أن المصلحة الكردية الحقيقية “لا تكون من خلال خلق التوتر أو تأليب المكونات السورية بعضها على بعض، ولا عبر ممارسات من شأنها الإساءة إلى صورة الكرد وتعميق حالة الاحتقان المجتمعي”. وشدد على أن الدفاع عن الحقوق الكردية المشروعة يتطلب “خطابا وطنيا مسؤولا، يحمي السلم الأهلي ويعزز التعايش والاستقرار، بعيدا عن أي أجندات تهدد مستقبل المنطقة ومكوناتها”.

اقرأ أيضاً  ترامب يعرقل هجوماً إسرائيلياً في سوريا وتحالف ثلاثي يعمق هواجس تل أبيب

وتأتي هذه التصريحات في ظل تصاعد الحديث عن دور الحركة في عدد من الحوادث التي شهدتها الحسكة والقامشلي خلال الفترة الأخيرة، ما جعلها في قلب النقاش السياسي والأمني، خصوصا مع تزامن ذلك مع بدء إغلاق بعض مقارها في الحسكة.

هجمات 11 أغسطس تعيد اسم الحركة إلى الواجهة

وفي 11 أغسطس/آب، أعلنت مديرية إعلام الحسكة أن مجموعات وصفتها بأنها “خارجة على القانون” اعتدت على عدد من مقار الأمن الداخلي في مدينتي الحسكة والقامشلي، وذلك على خلفية الأحداث التي شهدتها مدينة رأس العين.

وأوضحت المديرية في بيانها أن تلك المجموعات أقدمت على إنزال علم الجمهورية العربية السورية من أحد مقار الأمن الداخلي والاعتداء عليه، فيما هاجمت مجموعات أخرى عناصر الأمن الموجودين في أحد المقار بمدينة القامشلي، وتسببت بتكسير عدد من آليات الأمن الداخلي.

ومع كل اعتداء على المراكز الحكومية في الحسكة أو القامشلي أو عين العرب (كوباني)، يعود اسم “الشبيبة الثورية” إلى الواجهة. وكان آخر تلك الحوادث الاعتداء على مبنيين للأمن الداخلي في 11 أغسطس/آب، إلى جانب التهجم اللفظي على سيامند عفرين، نائب قائد الأمن الداخلي في الحسكة والقيادي السابق في “قسد”.

إغلاق مقرات في الحسكة.. هل بدأ إنهاء الوجود التنظيمي؟

يرى محللون أن مستقبل “الشبيبة الثورية” لم يعد قضية منفصلة عن المشهد السياسي في شمال وشرق سوريا. فمع الاتفاق بين دمشق و”قوات سوريا الديمقراطية” بشأن دمج المؤسسات والقوات، أصبح مصير التنظيمات والهياكل التي ارتبطت بالمرحلة السابقة جزءا من عملية أوسع لإعادة ترتيب المشهد.

وفي هذا السياق، أفادت مصادر محلية لـ سوريا 29 في الحسكة بإغلاق مقرات تابعة لـ”الشبيبة الثورية”، بينها مقر في حي المفتي، في إطار ترتيبات جارية لإنهاء وجودها التنظيمي. لكن، وحتى الآن، لا يوجد إعلان رسمي يؤكد حل الحركة نهائيا، رغم أن اسمها يعود للظهور كلما شهدت المناطق التي تجري فيها عملية الاندماج توترا جديدا.

اقرأ أيضاً  سوريا تدين استهداف إيران لناقلتين إماراتيتين في مضيق هرمز

ويشير هذا التطور إلى أن إغلاق المقرات لا يمكن فصله عن التحولات الجارية في المنطقة، خاصة في ظل مساع لدمج الهياكل العسكرية والإدارية والأمنية ضمن ترتيبات جديدة، ما قد يضع الحركة أمام مفترق حاسم بين التفكيك أو إعادة التموضع.

باحثون: الشبيبة الثورية عقبة أمام اندماج “قسد” مع الدولة

الباحث السياسي داود السيد اعتبر أن الحركة “باتت مشكلة تعصف بالجزيرة السورية وتضر بمسار اندماج قسد مع الحكومة السورية”. وقال في تصريح لـ سوريا 29 إن ملف هذا التنظيم “أرق الشارع السوري عبر التجاوزات اليومية وامتلاك السلاح وغياب الانضباط بالسلوك والتعدي المستمر على مؤسسات الدولة والشرطة والأمن والعلم”.

ودعا السيد “قسد” إلى الإسراع بحل هذا الفصيل، محذرا من أن استمرار تلك السلوكيات “سيؤدي إلى مواجهة عسكرية محتومة”. وأوضح أن ممارسات الحركة “باتت تخرج عن السيطرة من خلال خرق القانون والاعتداء على مؤسسات الدولة والمواطنين، ومحاولة نسف مبادرات السلام والإضرار بحقوق الكرد التي كفلها المرسوم الرئاسي”، معتبرا أن “الشبيبة الثورية تشكل عقبة رئيسية أمام الاندماج”.

دعوات لإنهاء وجود التنظيم في سوريا

من جهته، قال الباحث السياسي عبد الله الحمد إن “تنظيم الشبيبة الثورية هو أحد الأذرع العسكرية لميليشيات قسد، وبالأخص التيار القنديلي المتحكم بالمشهد الأمني والمفاصل العسكرية داخل الميليشيات”، مضيفا في تصريح لـ سوريا 29 أنه “تنظيم يحمل أفكارا عابرة للحدود ولا علاقة لها بسوريا”.

ودعا الحمد إلى “إنهاء وجود هذا التنظيم في سوريا من خلال الضغط على قيادات قسد لإبعاد هذا التنظيم”، مشددا على أن أعماله تسيء إلى مسار دمج “قسد” بالدولة السورية، وهو ما يفرض، بحسب قوله، “إطلاق حوار جدي وصريح وشفاف بين المكونات الاجتماعية”.

كما دعا مؤسسات الدولة السورية و”قسد” إلى “إيجاد حلول اجتماعية وسد الفراغات الأمنية والسياسية التي يحاول ذلك التنظيم الدخول منها لضرب السلم الأهلي”، مؤكدا أن الحركة “غير قادرة على عرقلة مسار دمج قسد، لكنها تؤثر بشكل سلبي على الدمج من خلال سلوكها وتصرفاتها”.

اقرأ أيضاً  لجنة التحقيق الدولية تصدر بياناً هاماً بشأن أحكام الإعدام بحق بشار الأسد ورموز النظام البائد

سجل حقوقي ثقيل واتهامات بتجنيد الأطفال

ولا تقف الانتقادات الموجهة إلى “الشبيبة الثورية” عند الجانب الأمني والسياسي فقط، بل تمتد إلى ملف حقوقي بالغ الحساسية، يتمثل في اتهامات متكررة بتجنيد الأطفال واستخدام القاصرين في الأعمال العسكرية والميدانية.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2024، قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن حركة “الشبيبة الثورية في سوريا” تجند الأطفال ليلتحقوا لاحقا بمجموعات مسلحة. وأوضحت المنظمة أن الحركة “جندت فتيات وفتيانا في سن 12 عاما، مقتلعة إياهم من مدارسهم وعائلاتهم، ومنعت ذويهم من الاتصال بهم، وصدت جميع محاولات عائلاتهم الحثيثة لإيجادهم”.

وفي القامشلي، وثقت صورة نشرتها وكالة أسوشييتد برس سيدة سورية تتصفح صور طفلتها البالغة 13 عاما، والتي قالت إن “الشبيبة الثورية” جندتها في مايو/أيار 2023، في مشهد عكس حجم المأساة الإنسانية التي يثيرها هذا الملف داخل المجتمع المحلي.

وأكدت هيومن رايتس ووتش أن تجنيد الأطفال في المجموعات أو القوات المسلحة ينتهك القانون الدولي الإنساني، الذي يحظر تجنيد الأطفال دون سن 15 عاما واستخدامهم في النزاعات. كما أوضحت أن تجنيد الأطفال أو استخدامهم على هذا النحو يعد جريمة حرب بموجب “نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية”.

بين الإغلاق والحل النهائي.. المشهد لا يزال مفتوحا

حتى الآن، لا يوجد إعلان رسمي بحل “الشبيبة الثورية” بشكل نهائي، لكن إغلاق مقراتها في الحسكة، وتزايد الانتقادات السياسية الكردية، والاتهامات الحقوقية الثقيلة، إلى جانب ارتباط ملفها بمسار دمج “قسد” مع الدولة السورية، كلها عوامل تجعل مستقبل الحركة موضع ترقب واسع.

وبينما تتحدث مصادر عن ترتيبات لإنهاء وجودها التنظيمي، يرى مراقبون أن اختبار المرحلة المقبلة سيكون في قدرة الأطراف المعنية على ضبط المشهد الأمني، ومنع تكرار الاعتداءات على المؤسسات، ومعالجة الثغرات الاجتماعية والسياسية التي سمحت للحركة بالتمدد في السابق. وحتى تتضح الصورة بشكل نهائي، يبقى سؤال النهاية مطروحا بقوة: هل دخلت “الشبيبة الثورية” فعلا مرحلة الأفول، أم أن إغلاق مقراتها في الحسكة ليس سوى بداية لتحول جديد في شكل حضورها داخل المنطقة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى