محافظات

تفاهمات السويداء تتقدم نحو تفعيل البلديات والشرطة

شهد مسار تفاهمات السويداء خلال الساعات الماضية تقدماً جديداً بين الحكومة السورية ومجموعات محلية في المحافظة، في خطوة تستهدف معالجة ملفات الإدارة والخدمات والأمن، وإعادة المؤسسات الحكومية إلى العمل تحت إشراف الوزارات التابعة لها، إلى جانب إعادة المجالس البلدية لممارسة مهامها بإشراف المحافظة، باستثناء أربع بلديات ما تزال قيد التفاوض، بالتوازي مع توجه لتشكيل مجلس جديد للمحافظة.

ووفقاً لمشاركين في الاجتماعات الجارية، فإن خطة التنمية لعام 2027 ستتضمن مشاريع مخصصة لمحافظة السويداء ومنطقة البادية الشرقية، فضلاً عن استئناف المشاريع المدعومة دولياً بالتنسيق مع المجالس البلدية. كما تم الاتفاق، في الشق الأمني، على إعادة تفعيل جهاز الشرطة وربطه مباشرة بوزارة الداخلية، على أن يتم اختيار عناصره من بين المتقدمين بطلبات انتساب قبل أحداث السويداء. لكن المشاركين أشاروا في الوقت نفسه إلى أن تنفيذ هذه التفاهمات ما يزال يسير ببطء، في ظل عوائق قالوا إن فلول النظام المخلوع في المحافظة تقف خلفها.

وفي سياق المتابعة، ينقل مراسل سوريا 29 عن خلاصات النقاشات المتداولة بين المشاركين أن الأولوية الحالية تتجه نحو تثبيت الإدارة المحلية واستعادة الخدمات الأساسية، باعتبار ذلك المدخل الأكثر واقعية لتخفيف معاناة السكان، وخصوصاً في القرى التي تضررت من الأحداث الأخيرة.

أبو فخر: ما يجري ليس مفاوضات بالمعنى التقليدي

وقال مؤسس تيار “سوريون” نجيب أبو فخر، وهو أحد المشاركين في النقاشات الجارية بين الحكومة ووفد من أهالي السويداء، إن ما يجري لا يمكن وصفه بأنه “مفاوضات بالمعنى العام”، بل هو نتيجة لضغوط متراكمة على ملف السويداء خلال الفترة الأخيرة، وفي مقدمتها الضغط الداخلي الناتج عن حالة الاستياء الشعبي، بعد مرور أكثر من عام على الوعود المرتبطة ببناء نظام إداري متميز في المحافظة.

وأضاف أبو فخر، خلال استضافته في برنامج “سوريا اليوم” على شاشة سوريا 29، أن زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش دفعت نحو تعزيز التعاون، على الأقل في الجانب الإداري، بما يساعد على تجنيب المدنيين تبعات الخلافات والمناكفات السياسية. وأشار إلى أنهم سمعوا من المندوب الدائم للأمم المتحدة في سوريا أنه نقل إلى السويداء رسالة واضحة مفادها أن الأمم المتحدة ودول العالم متفقة على دعم وحدة سوريا وسلامة أراضيها واستقلالها وسيادتها، وأن على السويداء البحث عن حلولها ضمن هذا الإطار.

وأوضح أبو فخر أن هذا التوجه جعل البحث عن مخارج تحمي المدنيين من تداعيات الصراع السياسي أكثر سهولة، في ظل معاناة استمرت لأكثر من عام، ولا سيما بالنسبة إلى سكان 32 قرية يواجه أهلها ظروفاً معيشية قاسية. واعتبر أن إعادة تفعيل البلديات تمثل المخرج العملي الأكثر فاعلية، لأنها الجهات القادرة على تنسيق الدعم وإيصاله، والعمل على إعادة إعمار ما دمرته الأحداث.

ملف البلديات يقترب من الحسم

وبحسب أبو فخر، فإن ملف البلديات بات “شبه منتهٍ”، ولم يتبقَّ سوى أربع بلديات لم يكتمل التنسيق بشأنها بعد. وأكد أن البلديات أصبحت مرتبطة بالدولة بصورة كاملة في ما يتعلق بالخطط والميزانيات، وأن بعضها بات جاهزاً لتقديم ميزانياته إلى المحافظ، الذي يتولى متابعة هذه المهمة بشكل مباشر.

اقرأ أيضاً  تحذيرات عاجلة من ارتفاع منسوب نهر الفرات.. وتدابير وقائية في الرقة ودير الزور

وأضاف أن مؤسسات الدولة في المحافظة أصبحت مرتبطة بالجهاز الحكومي بصورة شبه كاملة، باستثناء بعض الإشكالات المتعلقة بقطاع التربية ومؤسسة الكهرباء. ولفت إلى أنه تم تحديد الميزانيات، وبدأت المؤسسات فعلياً بتقديم احتياجاتها ضمن خطة عام 2027. كما شدد على أن العلاقة بين البلديات والدولة أصبحت مباشرة، وأن إدارات السويداء تعمل ضمن الإطار الحكومي السوري وفق التسلسل الإداري المعتمد، من دون تدخل جهات أخرى في عملها أو في ميزانياتها.

وفي فقرة أخرى من المتابعة، يشير مراسل سوريا 29 إلى أن ما يمنح هذه التفاهمات ثقلاً إضافياً هو انتقالها من مستوى الطروحات السياسية إلى مستوى الإجراءات التنفيذية المرتبطة بالميزانيات والخدمات والإدارة المحلية، وهو ما يرفع سقف التوقعات لدى الشارع في السويداء.

الأهالي “الكلمة الفصل” والفصائل أمام اختبار جديد

وفي ما يتعلق بقدرة المجموعات المحلية على تطبيق هذه التفاهمات في ظل وجود فصائل مسلحة، قال أبو فخر إن “أهالي السويداء لهم الكلمة الفصل”، مضيفاً أن أكثر من عام من الوعود المتكررة دفع السكان إلى إدراك عدم وجود أساس قانوني أو واقعي لعدد من الطروحات التي قُدمت لهم خلال المرحلة الماضية، فضلاً عن غياب أي دعم دولي لها. وأكد أن أي جهة ستقف في وجه ما يراه الأهالي انفراجاً لأوضاعهم ستكون الطرف الأضعف.

وأشار إلى أن جزءاً من الفصائل يوافق، بشكل علني أو ضمني، على الخطوات المتعلقة بتسيير حياة السكان، معتبراً أن من الصعب الاعتراض على إجراءات هدفها إدارة شؤون الناس اليومية. كما تحدث عن حالة استياء في أوساط الأهالي نتيجة ما وصفه بالاتجار بالطحين والبنزين والوقود والكهرباء والأدوية التي وصلت إلى المحافظة مجاناً، في وقت كانت فيه شريحة واسعة من السكان تعيش ظروفاً معيشية قاسية.

وأضاف أبو فخر أن السكان لم يعودوا مستعدين لقبول مزيد من الوعود، مشيراً إلى أن مسؤولاً أممياً أبلغ جهات في السويداء بأن “بيع الوهم” لم يعد مجدياً.

تفاهمات السويداء تشمل جميع المناطق

من جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي حافظ قرقوط إن استمرار أزمة السويداء بدأ يضغط على مختلف الأطراف من أجل البحث عن مخرج، متسائلاً عمّا إذا كانت التفاهمات المتعلقة بالبلديات تشمل جميع مناطق المحافظة، أم أنها تقتصر على القرى المتضررة في الجهات الشرقية والغربية والشمالية.

ورد أبو فخر بأن تفاهمات السويداء تشمل جميع مناطق المحافظة من دون استثناء، في تأكيد على أن المسار الجاري لا يقتصر على بقع جغرافية محددة، بل يستهدف إعادة بناء الحياة الإدارية والخدمية في كامل المحافظة.

اقرأ أيضاً  انطلاق 3 مشاريع بنى تحتية ضخمة في المدينة الصناعية بحسياء لخدمة 224 مقسماً

وأشار قرقوط إلى اجتماع عُقد يوم الخميس لرؤساء البلديات في المحافظة، واعتبره خطوة إلى الأمام، موضحاً أن البلديات تتعامل مباشرة مع شؤون السكان وهمومهم اليومية، وأن عودة كل قرية ومدينة إلى إدارة قضاياها عبر بلديتها تعني أن الناس لم يعودوا مضطرين إلى إحالة أزماتهم إلى جهات أخرى قد تستثمرها سياسياً أو اقتصادياً.

ورأى أن الظروف تغيرت بعد أكثر من عام من الوعود والدماء، وأن السكان يتجهون حالياً إلى الإمساك بملفاتهم بأنفسهم، بالتزامن مع وصول رسائل دولية تؤكد عدم وجود خيار انفصالي في سوريا. وأضاف أن من يملك مطالب أو اعتراضات على الدولة يمكنه طرحها والعمل عليها من داخل مؤسسات الدولة، معتبراً أن الاتجاه إلى خيارات أخرى يعكس مشاريع شخصية لبعض الأطراف.

وقال قرقوط إن تعميم الخدمات في السويداء عبر البلديات يمكن أن يشكل انتقالاً من “إدارة الأزمة” إلى “حل الأزمة”، مشيراً إلى أن الحكومة في دمشق كانت موضع انتقاد خلال المرحلة الماضية بسبب الاكتفاء، في بعض الأحيان، بإدارة الأزمة عبر الشعارات والمواقف، بدلاً من الوصول إلى حلول عملية.

معالجة الملفات الخدمية والإدارية والإنسانية

وتطرق قرقوط إلى مواقف بعض الجهات المتصدرة للمشهد العام في السويداء، وقال إن بعضها كان، قبل سقوط نظام الأسد، يقف ضد معارضيه ويتهمهم بالخيانة والعمالة، بينما باتت الجهات نفسها اليوم تصنف الآخرين بين “وطني” و”غير وطني”. واعتبر أن ذلك أخرج المجتمع من معادلة إعادة هيكلة نفسه والتعامل مع واقعه الجديد.

وأضاف أن سوريا بأكملها انتقلت من مرحلة الحرب إلى محاولة البحث عن حاضرها ومستقبلها، في حين أبقت بعض الأطراف السويداء خارج هذا المسار حمايةً لنفسها من محاكمات محتملة، سواء كانت قضائية أو شعبية. وشدد على أهمية تثبيت الخدمات، إلى جانب معالجة ملف التعليم، محذراً من أن استمرار تعطله يهدد جيلاً كاملاً.

وفي حديثه عن الملفات التي لم تحل بعد، قال أبو فخر إن القضية لا تقتصر على ملف التربية والتعليم، بل تشمل أيضاً ملف المغيبين ومجهولي المصير الذين ما تزال عائلاتهم تطالب بالكشف عن مصيرهم، إضافة إلى ملف الأسرى على خلفية الأحداث التي شهدتها المحافظة، وعودة الموظفين المفصولين إلى أعمالهم.

وشدد أبو فخر على أن التقدم في الملفات الخدمية والإدارية لا يعني التنازل عن حقوق الضحايا، ولا عرقلة عودة السكان إلى قراهم، مؤكداً أن الحقوق ستبقى محفوظة، وأن الأهالي سيواصلون المطالبة بمحاسبة كل من ارتكب جرائم أو تسبب في الأحداث التي شهدتها السويداء، أياً كانت الجهة التي ينتمي إليها.

مجلس محافظة جديد وربط الدعم بالقنوات الرسمية

وأوضح أبو فخر أن إعادة تفعيل البلديات سيتبعها العمل على تشكيل مجلس محافظة جديد، وهي خطوة قال إن الجهود مستمرة لاستكمالها، على أن يلي ذلك تشكيل مكتب تنفيذي رسمي، بما يضمن توجيه الدعم عبر القنوات الرسمية.

اقرأ أيضاً  حمص تطلق ملتقى رجال الأعمال الأول وتعرض 135 فرصة استثمارية

كما أشار إلى العمل على ربط المنظمات الدولية بهذه البلديات، وإخضاع آليات العمل للرقابة والمكاشفة ومعايير الشفافية والحوكمة المعتمدة لدى الأمم المتحدة، بما يمنع أي جهة من التحكم بالبلديات أو توجيه عملها بصورة منفردة.

وأضاف أن تولي البلدية مسؤولية تأهيل القرية المهجرة وتجهيزها لعودة أهلها يمثل، من وجهة نظره، خطوة في الاتجاه الصحيح نحو الحل، لأنه ينقل ملف العودة من إطار الشعارات إلى إطار التنفيذ العملي المنظم.

دمج الأمن وفصائل السويداء ضمن مؤسسات الدولة

في الملف الأمني، تناول أبو فخر مسألة دمج الأمن وفصائل السويداء ضمن مؤسسات الدولة، موضحاً أن ملف “الحرس الوطني” ما يزال مؤجلاً ويتقدم ببطء شديد، في حين أن ملف إعادة تفعيل جهاز الشرطة بات أكثر نضجاً من غيره.

وبحسب الطرح الجاري، سيتبع جهاز الشرطة مباشرة لوزارة الداخلية، وسيتم اختيار عناصره من بين نحو أربعة آلاف طلب انتساب قُدمت قبل أحداث السويداء. ولفت إلى طرح سابق قدمه محافظ السويداء مصطفى بكور لأهالي القرى المهجرة، يقوم على اختيار عناصر الحماية من أبناء المناطق نفسها بهدف تبديد المخاوف الأمنية.

وأوضح أبو فخر أن المقصود ليس اختيار أشخاص عاديين، بل أفراد سبق أن عملوا في الشرطة أو تقدموا بطلبات وانتسبوا وسووا أوضاعهم قبل الأحداث، وهم مسجلون في القيود الرسمية ولا توجد بحقهم إشكالات مرتبطة بالتحريض أو العنف.

وأضاف أن الطرح يشمل مختلف أهالي السويداء، بمعدل يقارب 20 عنصراً لكل خمسة آلاف نسمة، على أن يتبع هؤلاء العناصر لوزارة الداخلية، ويتقاضوا رواتبهم منها، ويمثلوا مؤسسات الدولة والسيادة السورية على الأرض، ويتولوا مهام الحماية والأمن.

ملف التعليم ما يزال حساساً ومؤجلاً

أما في ما يتعلق بملف التعليم، فقال أبو فخر إن أبرز تعقيداته يتمثل في خشية الدولة من إرسال موظفين يمثلون مؤسساتها وسيادتها إلى مناطق قد يتعرضون فيها لاعتداءات. وأشار إلى أن أهالي السويداء اقترحوا تشكيل حماية أهلية لهؤلاء الموظفين، إلا أن المخاوف ما تزال قائمة من إقدام أحد الأطراف على تنفيذ اعتداء يعيد الأوضاع إلى “المربع الأول” ويؤدي إلى تجدد الهجمات على السويداء.

ولهذا السبب، ما يزال ملف التعليم ملفاً حساساً ومؤجلاً في الوقت الراهن، رغم التقدم الذي تحقق في مسارات البلديات والمؤسسات والإدارة المحلية.

خلاصة المشهد

تكشف التطورات الأخيرة أن تفاهمات السويداء دخلت مرحلة أكثر جدية، عنوانها إعادة تفعيل مؤسسات الدولة والبلديات وربط جهاز الشرطة بوزارة الداخلية، مع إدراج مشاريع تنموية في خطة 2027، وفتح الباب أمام استئناف الدعم الدولي المنظم. ومع ذلك، فإن البطء في التنفيذ، والملفات العالقة، وحساسية الوضع الأمني، كلها عوامل تجعل هذا المسار أمام اختبار معقد، وإن كان يحمل للمرة الأولى مؤشرات عملية على انتقال المحافظة من منطق إدارة الأزمة إلى محاولة حلها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى