استهداف مطار أبو الظهور يشعل إدانات سورية وقلقاً أمريكياً

في تصعيد جديد يعيد التوتر إلى الواجهة في الشمال السوري، اتهمت دمشق إسرائيل بتنفيذ غارات جوية استهدفت فجر اليوم الثلاثاء 18 أغسطس/آب مدرج مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب الشرقي، في هجوم قالت السلطات السورية إنه يشكل “عدواناً غير مبرر” و”انتهاكاً صارخاً” لسيادة البلاد ووحدة أراضيها. ويأتي ذلك في وقت وصف فيه المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم براك الضربة بأنها “تصعيد غير ضروري”، بينما صدرت إدانة أردنية دعت إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية.
ونقلت سوريا 29 عن مصدر عسكري سوري أن الطيران الإسرائيلي شن 8 غارات على مدرج مطار أبو الظهور العسكري، ما أدى إلى أضرار مادية في بنية المطار، من دون تسجيل إصابات بشرية نتيجة الاستهداف. وبحسب المعطيات الأولية، تركز القصف على المدرج ومحيطه داخل المنشأة العسكرية الواقعة شرقي إدلب.
وبحسب ما أفاد به مراسل سوريا 29، فإن الطائرات المهاجمة دخلت الأجواء السورية عبر الأجواء اللبنانية، قبل أن تنفذ غاراتها على أطراف المطار الواقع في المنطقة الفاصلة بين محافظتي حلب وإدلب. ويشير مسار الهجوم إلى استمرار نمط الضربات الإسرائيلية التي تعتمد الاقتراب من المجال السوري عبر مسارات جوية إقليمية قبل استهداف مواقع عسكرية محددة داخل البلاد.
دمشق: عدوان غير مبرر وانتهاك صارخ للسيادة
وفي أول رد رسمي، أدانت وزارة الخارجية والمغتربين السورية الغارات “بأشد العبارات”، مؤكدة أنها تمثل “عدواناً غير مبرر وانتهاكاً صارخاً لسيادة سوريا ووحدة أراضيها”. وقالت الوزارة في بيان إن الضربات الإسرائيلية على مطار أبو الظهور تمثل “تصعيداً خطيراً يهدد الأمن والاستقرار في المنطقة”، مضيفة أن الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا مستمرة منذ 8 ديسمبر/كانون الأول 2024.
وأضاف البيان أن استمرار هذه الاعتداءات، بالتزامن مع التزام الدولة السورية بضبط النفس والعمل على ترسيخ الاستقرار وتجنب التصعيد، يكشف عن محاولات إسرائيلية لتقويض هذه الجهود ودفع المنطقة نحو مزيد من التوتر وعدم الاستقرار. وحمّلت الخارجية السورية إسرائيل المسؤولية الكاملة عن هذا التصعيد، داعية المجتمع الدولي ومجلس الأمن إلى إدانة الغارات واتخاذ موقف حازم إزاء ما وصفته بالانتهاكات الإسرائيلية المتكررة للسيادة السورية.
وأكدت دمشق في بيانها أنها ستواصل الدفاع عن حقوقها ومصالحها الوطنية بالوسائل المشروعة التي تكفلها القوانين والأعراف الدولية، في إشارة إلى تمسكها بحقها في الرد السياسي والقانوني على الضربات الإسرائيلية المتواصلة.
واشنطن وعمّان: قلق وإدانة بعد قصف مطار أبو الظهور
على الجانب الأمريكي، أعرب المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم براك عن “بالغ القلق” إزاء الغارات الجوية الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور الجوية السورية، معتبراً أن هذه الضربات تمثل “تصعيداً غير ضروري”. ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة في ضوء النقاش المتصاعد بشأن حدود الموقف الأمريكي من التحركات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.
كما أدانت وزارة الخارجية الأردنية الغارات الإسرائيلية، ودعت في بيان رسمي المجتمع الدولي إلى “تحمل مسؤولياته وإلزام إسرائيل بوقف اعتداءاتها الاستفزازية اللاشرعية على سوريا”. ويعكس الموقف الأردني مخاوف متزايدة من اتساع نطاق التصعيد وتداعياته على أمن المنطقة واستقرارها، ولا سيما في ظل التوترات المتشابكة على أكثر من جبهة.
مطار أبو الظهور.. موقع عسكري مثقل بآثار الحرب
وأشار مراسل سوريا 29 إلى أن مطار أبو الظهور العسكري ليس موقعاً عادياً في المعادلة السورية، إذ تعرض لدمار واسع خلال سنوات الثورة السورية. وكانت قوات المعارضة قد سيطرت عليه عام 2015 بعد اشتباكات مع قوات النظام المخلوع، قبل أن يستعيده جيش النظام المخلوع في عام 2019. ورغم استعادته، فإن المطار لم يُفعّل بعد ذلك ولم يعد إلى الخدمة نتيجة الأضرار الكبيرة التي لحقت بمنشآته خلال المعارك.
ويمنح هذا السياق أهمية إضافية للغارات الأخيرة، إذ إن استهداف مدرج المطار يسلط الضوء على حساسية أي محاولات لإعادة تأهيل البنية الجوية العسكرية السورية، حتى في المطارات التي بقيت خارج الخدمة الفعلية منذ سنوات. كما أن موقع المطار في الشمال السوري يضيف بعداً إقليمياً يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة.
غارات إسرائيلية متكررة بعد سقوط نظام بشار الأسد
وتفيد المعطيات الميدانية بأن إسرائيل كثفت خلال الفترة الماضية غاراتها على مواقع عسكرية سورية عقب سقوط نظام بشار الأسد، مستهدفة مواقع في محيط دمشق والساحل السوري ومحافظة حمص، إلى جانب مطارات عسكرية، من بينها مطار المزة، ومستودعات للأسلحة والذخائر. إلا أن وتيرة الضربات شهدت لاحقاً فترة من الهدوء النسبي، قبل أن يعود استهداف مطار أبو الظهور ليعيد مشهد القصف إلى الواجهة.
هذا التطور يعكس، وفق مراقبين، أن إسرائيل ما تزال تتابع عن كثب أي تحركات تتصل بإعادة ترتيب القدرات العسكرية السورية أو تموضع قوى إقليمية على الأرض السورية، خصوصاً في المناطق التي تُعد حساسة من منظور توازنات النفوذ.
صراع النفوذ في سوريا.. هل تحمل الضربة رسالة إلى تركيا؟
وفي قراءة سياسية للغارات، قال الأكاديمي والمحلل السياسي كمال عبدو إن استهداف مطار أبو الظهور العسكري يمثل “دليلاً جديداً على المدى الذي وصل إليه التنافس التركي الإسرائيلي في سوريا”. وأوضح أن منطقة الشمال السوري تُعد من “مناطق النفوذ التركي التقليدية”، في ظل انتشار عسكري تركي في عدد من المواقع بإدلب وحلب، إلى جانب مناطق الحسكة ورأس العين وتل أبيض.
وأضاف عبدو أن الضربة تحمل، في تقديره، رسالة إلى أنقرة بالدرجة الأولى، خصوصاً أنها جاءت بعد ساعات من اتصال هاتفي بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الأمريكي دونالد ترمب. وبحسب قراءته، فإن التنافس بين تركيا وإسرائيل داخل الساحة السورية بات أكثر وضوحاً خلال الفترة الأخيرة، ولم يعد محصوراً في الرسائل غير المباشرة.
وأشار إلى أن إسرائيل تبدي انزعاجاً من محاولات تطوير القدرات العسكرية السورية، ولا سيما الجوية منها، فضلاً عن تنامي العلاقات السورية التركية، وكذلك من التفاهمات التي توصلت إليها دمشق وموسكو بشأن مطار حميميم وميناء طرطوس واتفاقيات التعاون مع الجانب الروسي.
ولفت عبدو إلى أن عدداً محدوداً من الطائرات السورية لا يزال موجوداً في مطار حميميم خشية تعرضه للاستهداف إذا جرى نقله إلى مطارات أخرى، معتبراً أن توجيه إسرائيل ضربة جديدة كان أمراً متوقعاً، إلا أن اللافت هذه المرة هو وقوعها في منطقة شمالية تُعد ضمن نطاق النفوذ التركي.
ورأى أن هذه الغارات تؤكد تصاعد حدة التنافس بين الجانبين، وتعكس إصرار إسرائيل على منع أي تموضع عسكري تركي خارج مناطق الانتشار الحالية. كما اعتبر أن إسرائيل “ماضية في تنفيذ إستراتيجيتها في سوريا بالقوة العسكرية”، مستبعداً صحة المعلومات التي تحدثت عن وجود “فيتو” أمريكي على التحركات العسكرية، ومضيفاً أن الضربة الأخيرة، من وجهة نظره، ما كانت لتُنفذ من دون ضوء أخضر أمريكي.
خبراء: الغارة رسالة تعطيلية وتحذيرية
من جهته، قال الخبير الأمني والعسكري نوار شعبان قباقيبو إن الرسالة الأساسية من العدوان الإسرائيلي واضحة وتتمثل في “تحييد أي عمل يتعلق بترميم القوى الجوية السورية”. وأضاف أن الضربة تحمل رسالة “تعطيلية وتحذيرية” مفادها أن إسرائيل قادرة على الوصول إلى المنشآت السورية حتى لو كانت قريبة من الحدود مع تركيا.
وأشار قباقيبو إلى وجود تصريحات ومقالات إسرائيلية متكررة تتحدث عن نية الاحتلال استهداف منشآت عسكرية في سوريا لها ارتباطات بالجانب التركي، معتبراً أن ذلك يؤكد أن الهجوم الأخير لا يمكن فصله عن صراع النفوذ الإقليمي داخل الجغرافيا السورية.
كما لفت إلى أنها “ليست المرة الأولى التي تتجاوز فيها إسرائيل الضغوط الأمريكية”، مضيفاً أن النقطة الجوهرية في هذه المرحلة تكمن في معرفة سقف القدرة الأمريكية على منع الضربات الإسرائيلية الموجهة إلى سوريا، أو الحد من اتساعها مستقبلاً.
استهداف مطار أبو الظهور يفتح باب الأسئلة
ويضع استهداف مطار أبو الظهور المشهد السوري مجدداً أمام مجموعة من الأسئلة الثقيلة: هل تمثل الغارة بداية موجة جديدة من الضربات الإسرائيلية في الشمال السوري؟ وهل ترتبط فقط بمنع إعادة تأهيل منشآت عسكرية سورية، أم أنها تحمل في الوقت نفسه رسائل مباشرة إلى تركيا وروسيا؟ وبين الإدانة السورية، والقلق الأمريكي، والموقف الأردني الرافض، تبدو الضربة أكثر من مجرد استهداف عسكري محدود، بل مؤشراً على مرحلة أكثر حساسية في صراع النفوذ داخل سوريا.




