الشيباني: سوريا تستوفي متطلبات التعاون مع الوكالة الذرية

دمشق – سوريا 29
في تطور بارز على صعيد ملف سوريا والوكالة الدولية للطاقة الذرية، أكد وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني، اليوم الثلاثاء في دمشق، أن سوريا استوفت كامل متطلبات التعاون المتفق عليه مع الوكالة، مجدداً تمسك دمشق بحقها السيادي والقانوني في الاستخدامات المدنية والسلمية للطاقة الذرية، ومشدداً على أن المرحلة الراهنة تمثل انتقالاً من معالجة الملفات العالقة إلى شراكة عملية مع الوكالة.
وجاءت تصريحات الشيباني خلال مؤتمر صحفي مشترك عقده مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، عقب مباحثات تناولت أهمية مواصلة التنسيق والتعاون بين الجانبين بما يضمن حق سوريا في الاستفادة من الطاقة النووية للأغراض السلمية والمدنية، في إطار من الشفافية والتعاون الفني والقانوني.
وقال الشيباني إن سوريا تتطلع إلى أن يعكس تقرير المدير العام للوكالة إلى مجلس المحافظين حجم التقدم المنجز، داعياً الدول الأعضاء إلى تتويج هذا المسار خلال دورة أيلول بقرار ينهي ملف عدم الامتثال الموروث منذ عام 2011. كما شدد على أن الشفافية والتعاون مع الوكالة يمثلان نهجاً ثابتاً للدولة السورية الجديدة في التعامل مع الإرث النووي الذي خلفه النظام البائد.
وبحسب ما تابعه مراسل سوريا 29 من دمشق، فإن الرسالة الأساسية التي خرج بها المؤتمر تمثلت في تأكيد الجانب السوري أن التعاون القائم لم يعد مقتصراً على الرد على تساؤلات فنية أو معالجة ملفات قديمة، بل بات يتجه نحو مسار مؤسساتي أوسع يربط بين إنهاء الموروث السابق وبناء برنامج سلمي مشروع يخدم القطاعات الحيوية داخل البلاد.
فتح موقع دير الزور وإعلان المواد النووية طوعاً
وأوضح الشيباني أن استقباله غروسي للمرة الثانية خلال خمسة أسابيع يعكس “انتقال علاقة سوريا الجديدة مع الوكالة من مرحلة معالجة الملفات العالقة إلى شراكة عمل فعلية تحقق تقدماً متواصلاً”.
وأشار إلى أن غروسي زار أمس موقع دير الزور، ليكون أول مدير عام في تاريخ الوكالة يدخل هذا الموقع بعد 18 عاماً من إغلاقه، لافتاً إلى أن الدولة السورية الجديدة أتاحت الوصول إليه في مبادرة ذاتية وقرار سيادي.
وأضاف الوزير أن سوريا أعلنت في السابع عشر من تموز الماضي، بإرادة حرة، عن وجود مواد نووية في موقع غير معلن ضمن الإرث الذي خلفه النظام البائد، ودعت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى معاينة الموقع والتحقق منه. وبيّن أن غروسي وفريق الوكالة أتموا صباح اليوم زيارة الموقع وجمع العينات اللازمة.
وفي هذا السياق، أظهرت المعطيات التي عُرضت خلال المؤتمر، وفق ما رصده مراسل سوريا 29، أن دمشق تحاول تقديم نموذج مختلف في التعاطي مع هذا الملف، قائم على المبادرة الطوعية وفتح المواقع أمام فرق الوكالة، بما يعزز الثقة ويمنح مسار التحقق الفني زخماً إضافياً على المستوى الدولي.
تعاون متواصل منذ مطلع 2025 ومساعٍ لإنهاء ملف عدم الامتثال
وأكد الشيباني أن مسار التعاون مع الوكالة بدأ منذ مطلع عام 2025، وشمل زيارات ميدانية وعينات بيئية ومذكرات تفاهم في مجالي الصحة والزراعة، إضافة إلى آلية تمويل مقدمة من الوكالة، وصولاً إلى مذكرة التفاهم وخارطة الطريق الموقعتين أواخر تموز الماضي، وكذلك اتفاق التنقيب في دير الزور الذي تتولى هيئة الطاقة الذرية السورية تنفيذه حالياً.
ونوه وزير الخارجية إلى أن غروسي وصف مسار التعاون مع سوريا بأنه “فرصة تاريخية” و”اختراق حقيقي”، معتبراً أن هذه الفرصة تم استثمارها بالشكل الأمثل، وأن سوريا استوفت كامل متطلبات التعاون المتفق عليها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
سوريا تتمسك بحقها في الاستخدامات النووية السلمية
وشدد الشيباني على أن معالجة الملفات الموروثة لا تهدف فقط إلى إغلاقها إجرائياً، بل إلى طيها نهائياً واستعادة السياق الطبيعي لعلاقة سوريا مع المؤسسات الدولية، وتجاوز أي محاولات لفرض حالة استثناء أمني دائم عليها.
وأكد أن سوريا متمسكة بحقها الكامل في التطبيقات النووية السلمية، سواء في مجالات الطب والغذاء والزراعة والبحث العلمي أو في توليد الكهرباء، مشيراً إلى أن هذه الحقوق مكفولة قانونياً وسيادياً، ولا يجوز تقييدها ما دامت ضمن الأطر السلمية المعترف بها دولياً.
وتابع أن سوريا تعمل بالتعاون مع شركائها على تشكيل مجموعة دعم دولية لتعزيز مسارها النووي السلمي وتطوير قدراتها الوطنية، داعياً الدول الشريكة إلى الانضمام إلى هذا الجهد ودعمه بما يخدم الاستقرار والتنمية وإعادة بناء المؤسسات الوطنية المختصة.
غروسي: يوم مهم للأمن والسلام العالميين
من جانبه، قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي إن اليوم يمثل “يوماً مهماً للأمن والسلام العالميين” في إطار الجهود التي لا يمكن الاستغناء عنها لوقف انتشار الأسلحة النووية.
وأضاف غروسي أن سوريا شكلت لفترة طويلة أحد مباعث القلق لدى المجتمع الدولي في هذا المجال، نتيجة عدم امتثال النظام البائد لالتزاماته منذ عام 2011، مشيراً إلى أن العمل المشترك مع الحكومة السورية الجديدة بدأ منذ وصولها.
وأوضح أن المباشرة بهذا العمل بشكل جاد بدأت منذ 18 شهراً، وأن الوصول أمس واليوم إلى موقع في دير الزور وإجراء عمليات حفر واستكشاف مهمة فيه يمثل إنجازاً مهماً، مبيناً أن هذه العمليات تؤكد التقييمات التي أجرتها الوكالة منذ وقت طويل بشأن منشأة نووية كانت تُبنى بشكل سري في الموقع.
صفحة جديدة دون نسيان الماضي
وقال غروسي: “نحن نطوي صفحة ونبدأ بكتابة صفحة جديدة دون أن ننسى الماضي”، مضيفاً أن الأنشطة النووية في سوريا لم تعد مرتبطة بالأسلحة النووية، وإنما سترتبط التكنولوجيا النووية بالصحة والطاقة وإدارة المياه، “كما ينبغي لها أن تكون”.
وفي رده على أسئلة الصحفيين، أكد الشيباني أن التعاون مع الوكالة مستمر منذ تحرير سوريا، عبر لقاءات متعددة مع مسؤولي الوكالة وزيارات متكررة إلى فيينا، موضحاً أن الخطوات المقبلة تتمثل في مزيد من التعاون، ودعم سوريا وتمكينها من الاستفادة من برامج الوكالة في مجال الطاقة السلمية، وإغلاق الموروث السيئ الذي خلفه النظام البائد، واستعادة دور سوريا كدولة فاعلة ومندمجة مع النظام الدولي.
بدوره، قال غروسي إن هناك خطوات تقنية يجب استكمالها، لكن القرار السياسي السوري بالانفتاح والسماح للوكالة بالعمل كان أساسياً، معتبراً أن وجوده في الموقع الذي كان سرياً ومغلقاً يمثل “إشارة شفافية هائلة”.
الشيباني: الاعتداءات الإسرائيلية يجب أن تتوقف
وفي سياق آخر، أكد الشيباني أن العدوان الإسرائيلي على مطار أبو الظهور يشكل انتهاكاً صارخاً للسيادة السورية، وتهديداً مباشراً للاستقرار الإقليمي والأمن العالمي، كما يمثل عرقلة متعمدة لمسار التفاهمات وإرساء الأمن في المنطقة.
وجدد الوزير التأكيد على موقف سوريا الداعي إلى الوقف الفوري للانتهاكات والاعتداءات الإسرائيلية، والعودة إلى الالتزام التام باتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، والانسحاب الكامل إلى ما قبل خطوط الثامن من كانون الأول لعام 2024، داعياً المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته ووقف الاعتداءات والانتهاكات السافرة للسيادة السورية.
انطلاقة جديدة في مسار الشفافية والتعاون
وكان غروسي قد أكد في وقت سابق أن التعاون القائم بين سوريا وفرق الوكالة الدولية للطاقة الذرية يمثل انطلاقة حقيقية في مسار الشفافية وتعزيز الثقة المتبادلة، موضحاً أن الوكالة بدأت عملية تحقق جديدة حول الأنشطة النووية في سوريا بعد موافقة الحكومة السورية على التعاون بشفافية كاملة.
كما أكدت سوريا، خلال مشاركتها في أعمال الدورة التاسعة والستين للمؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي انعقد في فيينا خلال أيلول الماضي، حرصها على تطوير علاقات التعاون مع الوكالة، وإبداء استعدادها الكامل لمعالجة جميع الملفات العالقة بمسؤولية.
وبذلك، يبدو أن ملف سوريا والوكالة الدولية للطاقة الذرية يدخل مرحلة جديدة عنوانها التعاون الفني المفتوح، وإنهاء تراكمات الماضي، وتثبيت حق سوريا في تطوير استخدامات الطاقة النووية السلمية ضمن الأطر الدولية، في وقت تواصل فيه دمشق السعي لإغلاق ملف عدم الامتثال نهائياً واستعادة موقعها الطبيعي داخل المنظومة الدولية.




