المؤبد لمفتي الأسد.. الجنايات الرابعة تُنزل حكمها التاريخي بحق أحمد حسون
دمشق – سوريا 29
في حكم قضائي يُعدّ من أبرز محطات مسار العدالة الانتقالية في سوريا، أصدرت محكمة الجنايات الرابعة بدمشق، اليوم الإثنين، حكماً بالسجن المؤبد مدى الحياة بحق أحمد بدر الدين حسون، مفتي النظام البائد، مع مصادرة كامل أمواله المنقولة وغير المنقولة، بعد إدانته بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق الشعب السوري خلال حقبة حكم النظام المخلوع.
وجاء الحكم خلال الجلسة السادسة من المحاكمة، والتي خُصصت للتدقيق والنطق بالحكم، برئاسة القاضي فخر الدين العريان، وبحضور عدد من أعضاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، وممثلين عن منظمات قانونية وحقوقية دولية.
السياق التاريخي للدعوى: من التظاهرات السلمية إلى القمع الممنهج
استهل القاضي العريان الجلسة باستعراض السياق التاريخي للقضية، مشيراً إلى أن مطلع عام 2011 شهد خروج تظاهرات سلمية في عدد من المحافظات السورية تطالب بالإصلاح، قوبلت من قبل القوات الأمنية والعسكرية بالرصاص الحي والأسلحة الفتاكة.
وأوضح القاضي أن النظام البائد سخّر مختلف تشكيلاته العسكرية وأجهزته الأمنية في عمليات القمع، إلى جانب تشكيلات مسلحة غير نظامية وميليشيات استُقدمت من خارج البلاد، وارتكبت أفعالاً شملت القتل الواسع والتعذيب والعنف الجنسي والنهب وتدمير الممتلكات والتهجير والإخفاء القسري بحق المدنيين، بما شكّل هجوماً واسعاً ومنهجياً موجهاً ضد السكان المدنيين.
دار الإفتاء غطاءً دينياً للعمليات العسكرية
وفي كشف قانوني لافت، أكد القاضي العريان أن المؤسسة الدينية الرسمية، وعلى رأسها دار الإفتاء في الجمهورية العربية السورية، وُظّفت ضمن السياسة العامة للنظام البائد لإضفاء غطاء ديني على العمليات العسكرية والأمنية وتبريرها أمام الرأي العام.
ومن أبرز ما نُسب إلى المتهم، بحسب المحكمة، تبريره لاستخدام البراميل المتفجرة، وهي ذخائر غير موجهة يؤدي إلقاؤها على المناطق المأهولة إلى دمار واسع وعشوائي لا يميز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، بما يشكّل انتهاكاً صريحاً لمبدأ التمييز وحظر الهجمات العشوائية المنصوص عليهما في القانون الدولي الإنساني.
توثيق مجازر وارتباط بتصريحات تحريضية
ووفقاً لما تابعه مراسل سوريا 29 من داخل قاعة المحكمة، استند القاضي إلى قاعدة بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، التي وثّقت مجزرة بحق المدنيين وقعت في فترة أعقبت تصريحات للمتهم يحرّض فيها على القتل، وتزامنت مع موجة تصعيد ميداني بين 23 أيلول و24 تشرين الأول 2019.
كما لفت القاضي إلى ظهور المتهم في مقطع مصور مع الضابط الهالك عصام زهر الدين، أحد أبرز المتورطين بجرائم حرب وانتهاكات بحق السوريين، وهو يدعو له بالتوفيق والحماية والنصر.
رشاوى مالية مقابل إخلاء سبيل الموقوفين
وأكد القاضي ثبوت تلقي المتهم مبالغ مالية وهدايا عينية مقابل إخلاء سبيل موقوفين مدنيين لدى الأجهزة الأمنية للنظام البائد، في واقعة تكشف حجم استغلال المنصب الديني الرفيع لأغراض شخصية ومالية.
تمويل “لواء القدس” والتحريض على العنف
وكشفت المحكمة أن المتهم دأب بصورة دورية على تقديم دعم مالي لقيادة وعناصر لواء القدس، وهو تشكيل مسلح شارك في عمليات عسكرية شهدت انتهاكات جسيمة بحق المدنيين.
وشدّد القاضي العريان على أن هذا الدعم لم يكن عملاً خيرياً أو اجتماعياً، بل مورداً مادياً عزّز قدرة التشكيل على مواصلة نشاطه العسكري، مشيراً إلى ظهور المتهم في تسجيلات مصورة يثني فيها على التدخلين الإيراني والروسي في سوريا، وتضمنت خطاباته دعوات صريحة وضمنية لاستخدام القوة والعنف ضد فئات محددة.
نظرية المساعدة والتشجيع والدعم المعنوي
ورأت المحكمة أن الوقائع الثابتة تقوم على نظرية “المساعدة والتشجيع والدعم المعنوي”، لا سيما أن جانباً أساسياً منها يتمثل في أفعال قولية وعلنية شكّلت مساهمة فعلية في ارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وأن المتهم كان عالماً بحكم موقعه وصفته بطبيعة القوى المخاطبة والأفعال المرتكبة.
جرائم لا يشملها التقادم ولا العفو العام
وأكدت المحكمة أن الأفعال الثابتة بحق المتهم تندرج ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في سياق نزاع مسلح واسع النطاق ومنهجي، وهي جرائم استقر القانون الدولي العرفي والاتفاقي على عدم جواز إفلات مرتكبيها من العقاب، وبالتالي لا يشملها التقادم ولا العفو العام.
كما قررت المحكمة عدم منح المتهم الأسباب المخففة التقديرية المنصوص عليها في المادة “244” من قانون العقوبات العام، نظراً لجسامة الأفعال الثابتة بحقه.
منطوق الحكم: المؤبد ومصادرة الأموال
وأصدرت المحكمة بالإجماع، وباسم الشعب العربي في سوريا، الحكم على النحو التالي:
أولاً: تجريم المتهم أحمد بدر الدين حسون، ابن محمد أديب، والدته حميدة، تولد 1949، بجناية الاعتداء الذي يستهدف إثارة الحرب الأهلية والاقتتال الطائفي وفق المادة “298” بدلالة المادة “216”، والحكم عليه بالسجن المؤبد مدى الحياة.
ثانياً: تجريمه بجناية التحريض على القتل قصداً وفق المادة “533” بدلالة المادة “216”، والحكم عليه بالسجن المؤقت 20 سنة.
ثالثاً: تجريمه بجناية التدخل الأصلي بالقتل قصداً وفق المادة “533” بدلالة المادة 218 فقرة (ب-د)، والحكم عليه بالسجن 10 سنوات.
رابعاً: إدانته بجرم إساءة استعمال الوظيفة وفق المادة “342”، والحكم عليه بالسجن المؤقت 3 سنوات، وبغرامة قدرها 3 أضعاف قيمة ما أخذ، بقيمة 195 ألف دولار أمريكي.
خامساً: إدانته بجرم إثارة النعرات المذهبية والعنصرية وفق المادة “307”، والحكم عليه بالحبس 6 أشهر وغرامة ألف ليرة سورية، والحرمان من الحقوق المدنية وفق المادة “65”.
سادساً: دمج العقوبات المانعة للحرية وتنفيذ الأشد وهي السجن المؤبد مدى الحياة، وجمع الغرامات وتنفيذها.
سابعاً: حرمان المحكوم عليه من الاستفادة من أي عفو عام أو خاص، ومن الإفراج المشروط، ومن وقف تنفيذ العقوبة.
ثامناً: إلزامه بتعويض المدعين الشخصيين الذين قُبلت دعواهم.
تاسعاً: الاحتفاظ بحقوق كل متضرر لم يدّعِ شخصياً حتى تاريخه، ولذوي الضحايا والمفقودين.
عاشراً: تثبيت الحجز الاحتياطي على أموال المحكوم عليه وقلبه إلى حجز تنفيذي.
أحد عشر: مصادرة أمواله المنقولة وغير المنقولة لصالح الخزانة العامة.
اثنا عشر: الاحتفاظ بحق الجهات الرسمية بالمطالبة بما لحق بالمال العام من أضرار.
ثلاثة عشر: الاحتفاظ بحق النيابة العامة في تعقب سائر المسؤولين والمساهمين والشركاء.
أربعة عشر: استمرار سريان تدابير حماية الشهود المقررة أثناء المحاكمة.
خمسة عشر: حفظ الهويات الحقيقية للشهود المشمولين بالحماية في ملف سري.
ستة عشر: حظر نشر أو تداول أي بيان من شأنه الكشف عن هوية شاهد مشمول بالحماية.
سبعة عشر: تضمين المحكوم عليه الرسوم والنفقات القضائية، والحكم قابل للطعن بالنقض.
من افتتاح المحاكمة إلى النطق بالحكم
وكان مراسل سوريا 29 قد رصد انطلاق أولى جلسات محاكمة حسون في الـ25 من حزيران الماضي، حيث واجه المتهم جملة من التهم الخطيرة، أبرزها:
- استغلال منصبه كمفتٍ للجمهورية لتحقيق مصالح شخصية، وإقامة علاقات موسعة خارج الإطار الرسمي مع رأس النظام المخلوع بشار الأسد، ومع مدير إدارة المخابرات العامة علي مملوك، وكبار ضباط الجيش، وزعماء الميليشيات الطائفية التي كانت تقاتل في سوريا.
- حث عناصر وضباط جيش النظام البائد على دعم النظام في مواجهة معارضيه.
- الإدلاء بتصريحات إعلامية تضمنت تحريضاً على المدنيين في المناطق الثائرة واللاجئين الفارين من بطش النظام، ولا سيما في حلب الشرقية وإدلب، إلى جانب مطالبة جيش النظام بتدمير هذه المناطق.
- التأييد العلني بصفته الرسمية والرمزية كمفتٍ للجمهورية لضباط وشخصيات متورطة بجرائم حرب، من بينهم عصام زهر الدين وقاسم سليماني، فضلاً عن دعمه للتدخلين الروسي والإيراني رغم الانتهاكات والمجازر التي ارتكبتها تلك القوات والميليشيات.
استكمال مسار العدالة الانتقالية
وتأتي محاكمة حسون في إطار استكمال مسار العدالة الانتقالية لمحاسبة المتورطين في الجرائم المرتكبة بحق الشعب السوري خلال حقبة النظام البائد.
وكانت محكمة الجنايات الرابعة قد قضت في الـ18 من آب الجاري بإعدام وسيم الأسد ومصادرة أمواله، لإدانته بجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، فيما أصدرت في الـ11 من الشهر ذاته حكماً بالإعدام حضورياً بحق المتهم عاطف نجيب، وغيابياً بحق المجرمين الفارين بشار الأسد وماهر الأسد وخمسة مجرمين آخرين، لإدانتهم بجرائم قتل وتعذيب وحرمان من الحرية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب.




