السكك الحديدية السورية تسجل قفزة في نقل البضائع خلال 2026

دمشق – سوريا 29
حققت السكك الحديدية السورية خلال العام 2026 الجاري نمواً لافتاً في قطاع نقل البضائع، بالتوازي مع برنامج واسع لتأهيل الشبكة الحديدية ومعالجة تخفيفات السرعة ورفع جاهزية أسطول النقل وآليات الصيانة، في مؤشر واضح على تحسن الأداء التشغيلي وتعاظم دور النقل السككي في خدمة المواد الأساسية والاستراتيجية داخل البلاد.
وفي تصريح لمراسل سوريا 29 اليوم الخميس، أوضح مدير المؤسسة العامة للخطوط الحديدية السورية أسامة حداد أن إجمالي حجم البضائع المنقولة بالقطارات منذ بداية العام الجاري وحتى نهاية تموز بلغ 663479 طناً، مقارنة مع 417859 طناً خلال الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة تقارب 59 بالمئة. وأكد حداد أن هذا الارتفاع يعكس تحسناً ملموساً في كفاءة التشغيل، وقدرة المؤسسة على تلبية احتياجات نقل المواد الأساسية والاستراتيجية بوتيرة أعلى وأكثر انتظاماً.
وأشار حداد إلى أن نقل مادة الفيول، بوصفها من المواد الاستراتيجية، سجل بدوره ارتفاعاً بارزاً خلال الفترة نفسها، إذ بلغ حجم الفيول المنقول بالقطارات 564419 طناً، مقابل 370052 طناً في الفترة ذاتها من العام الماضي، ما يكرس أهمية النقل السككي في تأمين الإمدادات الحيوية، ويعزز كفاءة سلاسل التوريد المرتبطة بالطاقة والقطاعات الإنتاجية.
معالجة نقاط الضعف ورفع انسيابية الحركة
وبيّن حداد أن المؤسسة نفذت خلال الأشهر الماضية سلسلة من الأعمال الميدانية الهادفة إلى معالجة نقاط الضعف الفنية على الشبكة، ولا سيما المواقع التي كانت تتسبب بتخفيف سرعات قطارات الشحن الاستراتيجية. وانعكس ذلك بصورة مباشرة على انسيابية حركة القطارات وزيادة الطاقة التمريرية للشبكة، بما يدعم قدرة الخطوط العاملة على استيعاب المزيد من الرحلات والأحمال.
كما عملت المؤسسة على تأهيل المحاور والخطوط العاملة وإلغاء تخفيفات السرعة على محاور النقل الرئيسة والتفريعات، ولا سيما على محور مرفأ طرطوس – الرضوانية – مصفاة بانياس، ما أتاح تشغيل القطارات بالسرعات النظامية المحددة، والبالغة 60 كم/سا لقطارات نقل الفيول و80 كم/سا لقطارات نقل الفوسفات والحبوب.
وفي إطار توسيع المسارات التشغيلية، أضاف حداد لمراسل سوريا 29 أن المؤسسة أنجزت صيانة وتأهيل الجسر الواقع عند الكم 6 وتد 6، وهو ما أتاح نقل الحبوب من المرافئ إلى تفريعة صوامع الوليد في حمص عبر محطة سنيسل. ويُعد هذا التطور خطوة مهمة لتعزيز قدرة السكك الحديدية السورية على خدمة عمليات نقل الحبوب ودعم منظومة الأمن الغذائي في البلاد.
إعادة تشغيل آليات صيانة الخطوط محلياً
وأكد حداد أن المؤسسة، وبالتوازي مع أعمال تأهيل الخطوط، تمكنت من تجاوز جزء كبير من معوقات نقص مواد الصيانة والقطع التبديلية، من خلال الاعتماد على خبرات كوادرها الفنية الوطنية وورشاتها الداخلية في صيانة وإعادة تشغيل آليات صيانة الخطوط محلياً، بدلاً من اللجوء إلى الشراكات والعروض الخارجية ذات التكاليف المرتفعة.
ومن أبرز هذه الأعمال، بحسب حداد، إعادة تأهيل آلية التبوير (0.8C-32) المخصصة لرفع وتحشية الخطوط، حيث نجح الفنيون في تجهيز الآلية بالكامل، وصيانة نظام المسح GVA، واستبدال القطع التالفة بالاستعانة بالأسواق المحلية، بكلفة بلغت نحو 6000 دولار فقط. وفي المقابل، بلغ العرض المالي المقدم من إحدى الشركات التركية المتخصصة 345 ألف دولار، ما يعني تحقيق وفر مالي صافٍ قدره 339 ألف دولار.
ولم يقتصر أثر هذا الإنجاز على الجانب المالي، بل امتد إلى الميدان أيضاً، إذ أسهمت الآلية بعد إعادة تأهيلها في صيانة وتأهيل 73.4 كم من الخط الحديدي، الأمر الذي ساعد بصورة مباشرة على رفع السرعات على محور حلب – حمص إلى السرعات النظامية، وزيادة الطاقة التمريرية للشبكة.
وفر جديد بعد تأهيل آلية تنظيم موشور البحص
وفي السياق ذاته، أعادت كوادر المؤسسة تأهيل آلية تنظيم موشور البحص SSP 203، عبر إصلاح نظام المسير الذاتي في حالتي المسير والعمل، وإصلاح نظام التحكم والقيادة، ومعايرة الدارة الهيدروليكية، وتجهيز الآلية في مكان العمل. وبلغت كلفة هذه الأعمال نحو 5000 دولار، مقابل عرض خارجي وصل إلى 575 ألف دولار، ما حقق وفراً مالياً قدره 570 ألف دولار.
وأشار حداد إلى أن الآلية، بعد إصلاحها وإعادتها إلى العمل، أسهمت في تنفيذ أعمال صيانة لنحو 40 كم من الخط الحديدي، فضلاً عن مردود اقتصادي إضافي تمثل في جمع وإعادة استخدام كميات كبيرة من البحص المتناثر على جانبي الخط، حيث يقدر الوفر لكل متر مكعب من البحص المعاد تجميعه بنحو 2410 ليرات سورية.
إعادة الروافع والآليات الثقيلة إلى الخدمة
وفي ملف التجهيزات الثقيلة، أوضح حداد أن الورشات المحلية وفنيي المؤسسة نجحوا في صيانة وإعادة تشغيل خمس دراجات رافعة سككية موزعة على فروع حمص وطرطوس ودمشق، إلى جانب رافعتين تلسكوبيتين (كيرو) باستطاعتين 160 طناً و80 طناً. كما تمكنت الكوادر المحلية من إعادة تأهيل وإدخال 38 قطعة من معدات صيانة الخط التخصصية إلى الخدمة.
وأكد أن هذه الأعمال أسهمت في تحقيق وفر مالي فوري في عقود الصيانة الخارجية يزيد على ثلاثة ملايين دولار أمريكي، معتبراً أن هذه النتائج تشكل دليلاً عملياً على جدوى الاستثمار في رأس المال البشري المحلي، وتعزيز مبدأ الاعتماد على الذات في تشغيل وصيانة البنية التحتية الحيوية.
دعم نقل القمح وتقليل الاعتماد على الشاحنات
وفيما يتعلق بأسطول النقل السككي، كشف حداد عن صيانة 44 صهريجاً مخصصاً لنقل الحبوب وإعادتها إلى الخدمة في طرطوس بعد توقف دام أكثر من عقد. وأكد أن عودة هذه الصهاريج إلى العمل ستسهم في دعم نقل القمح بصورة منتظمة، وتقليل الاعتماد على الشاحنات البرية، وتعزيز استقرار سلاسل توريد القمح إلى الصوامع في مختلف المحافظات السورية، بما يوفر وسيلة نقل أكثر أماناً وكفاءة للحبوب.
ولفت أيضاً إلى إعادة قاطرة الأنالوك إلى الخدمة بعد معالجة تسرب الزيت الهيدروليكي، وتجديد الشبكة الكهربائية والمدخرات، موضحاً أن هذه القاطرة تشكل بديلاً عن القاطرات الكبيرة في أعمال المناورة ورأب الصهاريج ضمن التفريعات ومراكز التحميل والتفريغ.
تحول عملي في كفاءة التشغيل والاعتماد على الكوادر الوطنية
وشدد حداد على أن ما تحقق خلال الفترة الماضية لا يقتصر على تحسين بعض التفاصيل الفنية، بل يمثل تحولاً عملياً في قدرة المؤسسة على الاعتماد على كوادرها الوطنية وورشاتها الفنية في أعمال الصيانة والتأهيل وإعادة التشغيل. وأضاف أن هذا المسار ينعكس في شكل وفورات اقتصادية وتشغيلية، ويتيح استخدام موارد المؤسسة بكفاءة أعلى، كما يسهم في استعادة كفاءة قطاع النقل السككي وتوسيع دوره في نقل المواد الاستراتيجية والحبوب ودعم الاقتصاد الوطني.
ويأتي هذا التطور في وقت تعمل فيه سوريا على إعادة تنشيط دورها اللوجستي والإقليمي، إذ كان وزير النقل يعرب بدر قد أكد في تصريح سابق لـ سوريا 29 خلال شهر أيار الماضي، أن سوريا تتحرك لاستعادة دورها التاريخي كـ جسر بري وممر إقليمي لعبور البضائع بين أوروبا والخليج العربي، عبر حزمة متكاملة من الإجراءات والتفاهمات الإقليمية، الهادفة إلى إعادة تنشيط حركة الترانزيت وتطوير الربط السككي مع دول الجوار.
وبذلك، تبدو السكك الحديدية السورية أمام مرحلة جديدة عنوانها رفع الكفاءة، وتوسيع القدرة التشغيلية، وتخفيض كلف الصيانة، وتعزيز حضور النقل بالقطارات في خدمة الاقتصاد الوطني، ولا سيما في الملفات المرتبطة بنقل الفيول والقمح والحبوب والمواد الاستراتيجية.



