معرض «من الطين نبني» يحيي تقنيات البناء التراثية في دمشق

دمشق – سوريا 29
في وقت تتجه فيه الأبنية الحديثة على نحو متسارع إلى الإسمنت والمواد المصنّعة، عاد الطين، أقدم مواد البناء وأكثرها التصاقاً بذاكرة المكان، إلى واجهة البحث والتجريب في جامعة دمشق، بوصفه خياراً قابلاً للتطوير والمشاركة في بناء المستقبل. وفي هذا السياق، احتضنت كلية الهندسة المعمارية اليوم الخميس معرض «من الطين نبني»، الذي عرض نتاج ورشة تطبيقية متخصصة حول اللَّبِن والطين، في خطوة تعيد فتح النقاش حول العمارة الترابية ودورها في الترميم وإعادة الإعمار والحفاظ على الهوية العمرانية السورية.
الطين يعود من الذاكرة إلى المختبر
المعرض لم يكن مجرد فعالية أكاديمية تقليدية، بل شكّل مساحة حية لاستعادة خبرات البناء القديمة ضمن قراءة علمية حديثة. وبين نماذج البناء، وعينات التربة، والقوالب المستخدمة في الصب والتشكيل، فتح الحدث نافذة واسعة على العمارة الترابية بوصفها معرفة تراكمت عبر أجيال، وما زالت قادرة على إلهام حلول معاصرة تراعي خصوصية المكان وموارده الطبيعية وذاكرته الثقافية.
وأظهر المعرض أن الطين ليس مادة من الماضي فحسب، بل جزء من منظومة بناء يمكن تحديثها ودراستها وتطويرها لتواكب احتياجات الحاضر، خاصة في ظل تصاعد الاهتمام العالمي بالعمارة المستدامة والمواد المحلية ذات الأثر البيئي الأقل.
وزير الثقافة: العمارة السورية خلاصة جغرافيا وهوية
وافتُتح المعرض بحضور وزير الثقافة محمد ياسين الصالح، الذي أكد أن العمارة السورية تختصر في ملامحها تنوع الجغرافيا السورية، من الحجر والبازلت إلى الطين والخشب. وأوضح أن هذه المواد لم تكن مجرد عناصر للبناء، بل كانت خلاصة خبرات متوارثة انعكست في أساليب العيش وهوية المكان، وشكلت عبر الزمن جزءاً أساسياً من الشخصية العمرانية السورية.
وشدد الصالح على أن العودة إلى مواد البناء التقليدية لا تعني استنساخ الماضي أو التوقف عنده، وإنما تعني دراسة المعرفة التي راكمها السوريون عبر قرون، والعمل على تطويرها استناداً إلى البحث العلمي والمعايير الحديثة، بما ينسجم مع احتياجات الحاضر ومتطلبات المستقبل.
وأضاف أن التراث لا يقتصر على المباني القائمة وحدها، بل يشمل أيضاً المعرفة التي أنشأتها والمهارات التي تناقلتها الأجيال. ولفت إلى أن فقدان هذه الخبرات يعني خسارة جزء أساسي من التراث، حتى لو بقيت الجدران قائمة، لأن القيمة الحقيقية لا تكمن في الشكل المعماري فقط، بل في الوعي والمهارة اللذين أوجدا هذا الشكل.
وأكد وزير الثقافة أن هذه المعرفة تكتسب أهمية مضاعفة في مرحلة إعادة الإعمار وصون التراث، لأنها تطرح أسئلة تتصل بالهوية العمرانية، وعلاقة الإنسان بالأرض والذاكرة والبيئة. كما رأى أن تدريب الأجيال الجديدة وتوطين الخبرات من شأنه أن يقود إلى ترميم أكثر وعياً، وإلى إعمار يحفظ خصوصية المكان، ويجعل المعرفة الموروثة أساساً حياً للمستقبل لا مجرد ذكرى من الماضي.
نقيب المهندسين: حماية التراث تحتاج إلى كوادر متخصصة
من جهته، أكد نقيب المهندسين في سوريا المهندس مالك حاج علي أن حماية التراث السوري وإنجاز إعادة إعمار تراعي هوية المكان يتطلبان عملاً تكاملياً بين المؤسسات والجامعات والمهندسين والباحثين، انطلاقاً من أهمية التراث السوري بوصفه ذاكرة وهوية وثروة ثقافية واستثمارية في آن واحد.
وأشار حاج علي إلى الحاجة الملحة لإعداد كوادر هندسية متخصصة في ترميم المباني الأثرية وإحياء تقنيات البناء بالطين والمواد المحلية، ولا سيما في ظل ندرة الخبرات المتخصصة في هذا المجال. ودعا إلى تطوير استخدام هذه المواد على أسس علمية واضحة، مع تجنب استبدال العناصر التراثية بمواد لا تنسجم مع خصائصها، لأن أي تدخل غير منسجم قد يهدد القيمة الأصلية للمبنى التراثي ويشوّه علاقته بالبيئة المحيطة.
جامعة دمشق: جيل جديد يجمع بين الحداثة والوعي بالتراث
بدوره، شدد رئيس جامعة دمشق الدكتور مصطفى صائم الدهر على حرص الجامعة على أن تسهم الأنشطة والمشروعات المعمارية في حماية الهوية السورية، والتعبير عن تاريخ البلاد وخصوصيتها الحضارية، والعمل على إعداد جيل جديد من المعماريين والباحثين يجمع بين المعرفة الحديثة والوعي العميق بالتراث.
ويعكس هذا التوجه، بحسب ما قدمته الفعالية، اهتماماً متزايداً بجعل الجامعة مساحة لإنتاج حلول معمارية تستند إلى البيئة المحلية، ولا تنفصل عن التاريخ أو الثقافة أو متطلبات التنمية المستدامة.
عرض مرئي يتتبع تطور العمارة الترابية عالمياً وسورياً
وتضمن المعرض عرضاً مرئياً استعرض تطور العمارة الترابية عبر التاريخ، مستحضراً نماذج وتجارب عالمية من سور الصين العظيم إلى بعض المدن الفرنسية، إلى جانب أمثلة سورية عكست تنوع أساليب البناء بحسب البيئة والمناخ والمواد المتاحة.
كما عرضت الفعالية نماذج لمبانٍ متعددة الطوابق استُخدمت فيها مواد مثل الطين والحجر والخشب وفق طبيعة المنطقة والظروف المناخية، في تأكيد على أن العمارة التقليدية لم تكن بدائية أو عشوائية، بل قامت على فهم عميق للبيئة والوظيفة والاستدامة.
وأبرز العرض كذلك دور البحث العلمي في اختبار قوة المواد ومتانتها، وأهمية اختيار المادة المناسبة ووضعها في مكانها الصحيح بوصفهما أساساً للعمارة المستدامة، ولا سيما في مشاريع الترميم وإعادة الإعمار التي تحتاج إلى حلول دقيقة تحفظ الأصالة وتضمن السلامة والاستمرارية.
مسار تفاعلي يضع الزوار في مواجهة مباشرة مع مواد الأرض السورية
ولم تبقِ الفعالية الطين حبيس الشرح النظري أو العرض البصري، بل انتقلت إلى تجربة تفاعلية مباشرة أتاحت للحضور ملامسة المادة وفهم خصائصها عملياً. وضم المسار التفاعلي نماذج وعينات تربة جُمعت من مناطق سورية مختلفة، وعُرضت في حالتيها الجافة والرطبة، إلى جانب القوالب المستخدمة في صبّها وتشكيلها.
وبحسب مراسل سوريا 29 من موقع الفعالية، فقد شكّل هذا المسار أحد أكثر أركان المعرض جذباً للزوار، إذ أتاح لهم خوض تجربة عملية مباشرة والتعرّف إلى خصائص المواد وطرق التعامل معها، في أجواء تفاعلية قرّبت تقنيات البناء الترابي من المشاركين، وحولت المعرض إلى مساحة مفتوحة للتعلم باليد والمشاهدة والتجريب.
مشاركة طلاب وأطفال لتعزيز الثقة بالمواد المحلية
كما عرضت الفعالية تجارب تعليمية شارك فيها طلاب وأطفال، في محاولة واضحة لتعزيز الثقة بالمواد المحلية ونقل المعرفة المرتبطة بها إلى الأجيال الجديدة، بحيث لا تبقى هذه التقنيات حبيسة الدراسات المتخصصة، بل تصبح جزءاً من وعي مجتمعي أوسع يعيد الاعتبار لما تختزنه البيئة السورية من إمكانات معمارية أصيلة.
ورصد مراسل سوريا 29 حضوراً لافتاً لهذا الجانب التعليمي، الذي بدا وكأنه يجمع بين خبرة الأجداد وأسئلة المعماريين الشباب حول الاستدامة وإعادة الإعمار، ليحوّل الورشة إلى نقطة لقاء بين الماضي والمستقبل، وبين الذاكرة والحاجة إلى حلول واقعية وحديثة.
رسالة المعرض: إحياء التقنيات المحلية ضرورة للمستقبل
ويؤكد معرض «من الطين نبني» أهمية إحياء تقنيات البناء المحلية وتطويرها بالبحث العلمي، بما يدعم الحفاظ على الهوية العمرانية السورية والاستفادة منها في مشاريع الترميم وإعادة الإعمار. كما يطرح المعرض رؤية تتجاوز الحنين إلى الماضي، باتجاه التعامل مع الطين والمواد المحلية باعتبارها جزءاً من مستقبل العمارة في سوريا، ومن أدوات بناء أكثر وعياً بالبيئة والذاكرة وخصوصية المكان.




