تكشف تقديرات محلية حديثة عن اتساع خطير في الفجوة بين الدخل الشهري للأسر السورية في العاصمة دمشق وبين التكاليف الحقيقية لتأمين الاحتياجات الغذائية الأساسية، ما يضع آلاف العائلات أمام خيارات صعبة تتعلق بتقليص الاستهلاك اليومي وتغيير عادات الشراء الراسخة منذ سنوات.
وفقاً لما نقلته منصة سوريا 29 عن تلفزيون سوريا، تحتاج الأسرة المكوّنة من خمسة أفراد إلى نحو 50 ألف ليرة سورية بالعملة الجديدة (أي خمسة ملايين ليرة بالعملة القديمة) شهرياً، لتغطية احتياجاتها الغذائية فقط، دون احتساب تكاليف السكن أو النقل أو الطاقة أو أي من المتطلبات المعيشية الأخرى.
فجوة واسعة بين الدخل والإنفاق
يعكس هذا الرقم حجم الضغوط الاقتصادية الإستراتيجية التي تواجهها الأسر ذوو الدخل المحدود، في ظل تتراوح رواتب كثير من الموظفين بين مليون ونصف المليون ومليوني ليرة سورية شهرياً بالعملة القديمة، وهو ما يجعل هذا الدخل غير كافٍ لتغطية الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية المقدّرة للأسرة الواحدة.
وتكشف المقارنة بين الرواتب وتكاليف الغذاء عن فجوة معيشية واسعة؛ إذ إنَّ الأسرة التي يبلغ دخلها الشهري مليوني ليرة تحتاج -وفق هذه التقديرات- إلى نحو ضعفي دخلها ونصف لتغطية الغذاء وحده، دون احتساب بقية المصروفات الأساسية.
تقليص الوجبات وتغيير أنماط الشراء
أمام هذا الواقع الاقتصادي الصعب، لجأت أسر سورية عديدة إلى اتباع إجراءات تقشفية جذرية للتكيّف مع الارتفاع المستمر في الأسعار، أبرزها:
- تقليل كميات المواد الغذائية المشتراة في كل مرة.
- الاستغناء عن بعض الوجبات اليومية أو تقليصها.
- إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العائلي.
- التركيز على شراء المواد الأساسية الأقل كلفة فقط.
كما تراجعت القدرة على شراء المواد الغذائية بكميات كبيرة أو “بالصناديق”، كما كان شائعاً في السابق، لتحلّ محلها المشتريات اليومية المحدودة. وباتت أسر كثيرة تكتفي بشراء ما يلزم لإعداد وجبة واحدة فقط، أو ما يُعرف شعبياً بـ”تأمين الطبخة”، مع توزيع شراء الاحتياجات الغذائية على مراحل تبعاً للسيولة المالية المتاحة لديها.
الغلاء يطول المؤونة الشتوية
لم تقتصر تداعيات ارتفاع الأسعار على الاستهلاك اليومي فحسب، بل امتدت لتطال عادات إعداد المؤونة الشتوية، التي اعتادت الأسر السورية الاعتماد عليها على نحو مستمر لتخزين بعض المواد الغذائية وتخفيف النفقات في أثناء فصل الشتاء.
ومع ارتفاع تكاليف المنتجات المستخدمة في إعداد المؤونة، باتت أسر عديدة مضطرة إلى:
- تقليص الكميات التي تحضّرها سنوياً.
- استبدال بعض المكونات التقليدية ببدائل أقل كلفة.
- الاستغناء كلياً عن بعض أصناف المؤونة غير الضرورية.
وذلك بعدما كانت المؤونة إحدى الوسائل التقليدية الأهلية لتوفير الغذاء على مدى أشهر طويلة من السنة.
سياق الحدث
تأتي هذه التطورات في إطار أزمة اقتصادية متراكمة تعيشها سوريا منذ سنوات، نتيجة تضافر عوامل عدة أبرزها تراجع قيمة الليرة السورية المستمر أمام العملات الأجنبية، وارتفاع تكاليف الاستيراد والنقل، إضافة إلى محدودية الإنتاج الزراعي والصناعي المحلي القادر على تلبية احتياجات السوق.
وشهدت السنوات الأخيرة محاولات متعددة من الحكومة السورية لضبط الأسعار عبر إجراءات رقابية وتدخلات في السوق، إلا أن هذه الإجراءات لم تنجح -وفق مراقبين اقتصاديين- في معالجة جذور الأزمة المرتبطة بشكل مباشر بتراجع الإنتاج المحلي وارتفاع تكاليف الطاقة والمحروقات التي تدخل في كل حلقات سلسلة الإنتاج والتوزيع.
ويُعَدُّ تراجع القدرة الشرائية للمواطن السوري امتداداً طبيعياً لهذه الإستراتيجية الاقتصادية المتعثرة، إذ لم تعد الرواتب الحكومية أو حتى القطاع الخاص قادرة على مواكبة الارتفاع المتسارع في أسعار السلع الأساسية، ما يضع ملايين الأسر أمام تحديات معيشية متجددة مع كل موسم أو مناسبة، كما يحدث حالياً مع اقتراب فصل الشتاء وتراجع القدرة على تحضير المؤونة التقليدية.
وفي ظل هذه المعادلة الصعبة، لم يعد تقليص الإنفاق خياراً ثانوياً لتوفير المال بقدر ما أصبح وسيلة وحيدة للتكيّف مع محدودية الدخل، فيما تتزايد الضغوط يوماً بعد يوم على الأسر السورية لتأمين أبسط احتياجاتها الأساسية من الغذاء.




