مجتمع

مبادرة أهلية استثنائية: مواطن في ريف دمشق يسلّم 3200 قطعة من الآثار السورية لحمايتها

دمشق – سوريا 29

في بادرة تعكس عمق الانتماء الوطني والحرص الشعبي على صون الذاكرة الحضارية، سلّم المواطن نضال عبد القادر، المنحدر من بلدة رنكوس بريف دمشق، نحو 3200 قطعة أثرية نادرة ومتنوعة إلى المديرية العامة للآثار والمتاحف، بعد أن تكفّل بشرائها وجمعها من ماله الخاص لإنقاذها من الضياع أو التهريب، في خطوة تُعَدُّ نموذجاً فريداً للشراكة الشعبية في حماية الهوية السورية.

ووفقاً لما نقلته منصة “سوريا 29” عن تلفزيون سوريا، أكد مدير مديرية شؤون المتاحف، عمار كناوي، أن المجموعة المسلّمة تحظى بقيمة استثنائية من الناحيتين التاريخية والإنسانية؛ إذ تشتمل على شواهد تاريخية من حقب زمنية متعددة، تُسهم في إثراء السجل الأثري الوطني.

مقتنيات تاريخية نادرة تعود لعصور متعاقبة

أوضح كناوي أن الفحوص الأولية أظهرت تنوعاً كبيراً في المقتنيات المسلّمة، والتي تتوزع تفاصيلها على النحو الآتي:

  • دمى عصر البرونز الوسيط: تضم المجموعة 4 دمى فخارية نادرة تتميز بقيمتها الفنية والتاريخية العالية، وتُمثل إحدى السمات الحضارية البارزة لذلك العصر.
  • شواهد كلاسيكية وفخاريات: مجموعة واسعة من القطع الفخارية التي ترجع إلى العصرين الروماني والبيزنطي، إضافة إلى أشكال متباينة من السرج والأواني اليومية والطقسية.
  • مسكوكات وأدوات معدنية: عدد وافر من العملات القديمة والأدوات المعدنية التي لا تزال فرق التوثيق تخضعها لعمليات جرد مستمرة لتحديد تصنيفاتها بدقة.

وبيّن مدير شؤون المتاحف أن قيمة هذه المجموعة لا تُقاس بعددها فحسب، بل بأهميتها الأثرية والتاريخية مجتمعة، مؤكداً أن أبواب المديرية مفتوحة باستمرار لتسهيل تسلم ما بحوزة أفراد المجتمع من قطع، إذ تُعَدُّ الأولوية القصوى في هذه المرحلة هي إعادة الآثار السورية إلى المتاحف وتأمينها دون تعقيدات.

شغف شخصي وتمويل ذاتي لإنقاذ التراث

من جانبه، تحدث نضال عبد القادر عن تفاصيل تجربته، موضحاً أن الأمر انطلق كهواية شخصية ما لبثت أن تحولت إلى شغف والتزام أخلاقي لحماية الآثار. وأشار إلى أنه بدأ بشراء القطع بعد سقوط النظام عبر التواصل مع عارضيها والتنقل بين محافظات سورية عدة لجمعها بتمويل ذاتي كامل، بدافع يقينه الراسخ بضرورة تسليمها للجهات المختصة لتأخذ مكانها الطبيعي في العرض المتحفي أمام الجمهور.

اقرأ أيضاً  توماس إديسون: ساحر مينلو بارك

وأفادت المديرية بأن هذه المقتنيات ستخضع لدراسات توثيقية دقيقة للتأكد من أصالتها وتصنيفها تمهيداً لعرضها خصيصى في جناح “سوريا تستعيد آثارها”، وهو المعرض الهادف إلى تعزيز الوعي بين أفراد المجتمع بأهمية التراث المادي.

وتتكامل هذه الخطوة مع حراك شعبي متنامٍ؛ إذ بادر المواطن خالد عبد الحليم، قبل أيام، بتسليم مجموعة أثرية كان قد حافظ عليها بعناية منذ عام 2014 إلى متحف الرقة، مؤكداً أن حماية تاريخ البلاد واجب لا يقبل التفريط مهما كانت التحديات.

سياق الحدث: أبعاد المبادرات الشعبية واستعادة التراث المنهوب

تأتي هذه المبادرات في وقت بالغ الحساسية، إذ يسعى قطاع الآثار في سورية إلى مداواة جراح سنوات طويلة من الحرب والنزاع التي تسببت في أضرار جسيمة لحقت بالمواقع التاريخية والمتاحف، وفتحت الباب واسعاً أمام شبكات التهريب والنهب المنظم.

إن مبادرة الأهالي بإعادة المقتنيات طواعية تُبرز تحولاً نوعياً في الوعي الجمعي؛ حيث يرى المواطنون في الآثار السورية رمزاً جامعاً للهوية الوطنية المشتركة التي يجب الدفاع عنها. ويتزامن هذا التحرك الداخلي مع مسار دولي نشط لاسترداد القطع المهربة؛ إذ تسلمت سورية خلال الشهر الفائت 36 قطعة أثرية منهوبة تزيد قيمتها على 5 ملايين دولار عبر مراسم أقيمت في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأميركية، في إطار الاتفاقيات الدولية لمكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية.

ويؤكد هذا التكامل بين الوعي الشعبي والتحركات الرسمية أن الحفاظ على التراث يتطلب صياغة إستراتيجية شاملة تشجع الأهالي على المبادرة وتكثف الجهود الدبلوماسية، لضمان عودة كل مَعْلم حضاري إلى موطنه الأصلي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى