ثقافة وفنون

المكتبة الوطنية السورية تطلق «الإعلام بفضائل الشام» باكورةً لإحياء التراث

دمشق – سوريا 29

فتحت المكتبة الوطنية السورية نافذة جديدة على كنوزها المخطوطة، بإطلاق كتاب «الإعلام بفضائل الشام» للعلامة برهان الدين إبراهيم بن عبد الرحمن الفزاري المعروف بابن الفركاح، في إصدار يُعد باكورة أعمال مديرية البحث والترجمة والنشر، بعد تحقيقه وتوثيقه وفق منهج علمي يتيح للقراء والباحثين الاقتراب من واحد من أبرز النصوص التي تتصل بتاريخ الشام وفضائلها ومكانتها في المصادر التراثية.

ويأتي الكتاب في 120 صفحة ضمن طبعته الأولى، ثمرةً لجهد أنجزه فريق المديرية، ليشكّل أول إصداراتها منذ تأسيسها، في خطوة تعكس توجّه وزارة الثقافة نحو ترسيخ حضور المكتبة الوطنية السورية بوصفها فضاءً فاعلاً لإنتاج المعرفة، ومنبراً لإحياء التراث ونشره، وجسراً يصل ذخائر الماضي بأسئلة الحاضر واهتمامات قرّائه.

كتاب يرصد فضائل الشام ومعالم دمشق التاريخية

ويجمع كتاب «الإعلام بفضائل الشام» أكثر من مئة حديث وأثر تتناول فضائل بلاد الشام ومعالمها، وقد رتّبها مؤلفه في 18 فصلاً، تناول فيها عدداً من المواضع الدمشقية والتاريخية، من بينها الربوة وجبل قاسيون وغوطة دمشق، إلى جانب ما يتصل بفضائل الشام ومكانتها في كتب التراث.

وتنبع أهمية هذا الإصدار من كونه واحداً من المصنفات التي خُصصت لفضائل الشام، إذ يندرج ضمن تقليد علمي قديم أفردت فيه مؤلفات كاملة لمكانة دمشق وبلاد الشام، وجمعت الروايات والآثار والأخبار المرتبطة بها، ما يمنح الكتاب قيمة علمية وتاريخية تتجاوز كونه نصاً تراثياً إلى كونه مادة مرجعية لدراسة صورة الشام في الوعي الإسلامي والثقافي عبر العصور.

وتشير مصادر فهرسية تراثية إلى أن كتاب ابن الفركاح يُعد مختصراً لكتاب «فضائل الشام ودمشق» للربعي، وأن له نسخاً مخطوطة متعددة، وهو ما يرفع من أهمية إخراجه في طبعة محققة ومدققة تتيح للباحثين الوصول إلى نصه على أسس علمية رصينة.

اقرأ أيضاً  ثمانية من روائع العمارة الإسلامية

تحقيق علمي اعتمد سبع نسخ خطية

وأوضح القائمون على الإصدار أن فريق البحث العلمي وإحياء التراث في المديرية تولّى نسخ المخطوط، الذي لم يكن قد طُبع سابقاً بحسب المعطيات المعتمدة في المشروع، ثم قابله على سبع نسخ خطية، قبل المضي في تصحيحه وتقويم نصه وتوثيقه وفق قواعد البحث العلمي، ليصدر بعد ذلك في حلة فنية تتناسب مع هوية المكتبة الوطنية السورية ومكانتها الثقافية.

وتندرج هذه الخطوة ضمن توجّه أوسع لتفعيل عمل مديرية البحث والترجمة والنشر في مجال تحقيق كتب التراث، كما أنها تتقاطع مع ما أشارت إليه تغطيات صحفية من أن تحقيق «الإعلام بفضائل الشام» يأتي في مقدمة مشروعات المديرية الرامية إلى إحياء التراث السوري وتقديمه وفق مناهج علمية حديثة تحافظ على النص وتزيد من إمكان الإفادة منه أكاديمياً.

وبحسب متابعة مراسل سوريا 29، فإن قيمة هذا الإصدار لا تقف عند حدود نشر كتاب قديم، بل تمتد إلى تأسيس مسار جديد داخل المكتبة الوطنية السورية، ينتقل بها من دور الحفظ والأرشفة إلى دور المبادرة في إحياء المخزون المعرفي المخطوط ووضعه في متناول الباحثين والقراء والمهتمين بتاريخ دمشق وبلاد الشام.

ابن الفركاح.. عالم دمشقي من القرن الثامن الهجري

ومؤلف الكتاب هو برهان الدين إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن سباع الفزاري، المعروف بـ ابن الفركاح، وهو مصري الأصل، دمشقي النشأة والإقامة، عاش بين 660 و729هـ / 1262 و1329م، وتوفي في دمشق، حيث ارتبط اسمه بالعلم والتدريس والتأليف.

وتذكر المصادر أن ابن الفركاح كان من أهل العلم والتدريس، وله عدد من المؤلفات، من أبرزها «الإعلام بفضائل الشام» و**«باعث النفوس إلى زيارة القدس المحروس»** و**«المنائح لطالب الصيد والذبائح»**، إلى جانب مؤلفات أخرى في الفقه وأصوله، ما يعكس تنوع اهتماماته العلمية وموقعه ضمن البيئة المعرفية التي ازدهرت في دمشق خلال القرن الثامن الهجري.

اقرأ أيضاً  أمسية غنائية لوصفي معصراني في قلعة دمشق تحتفي بانتصار الثورة ضمن مهرجان صيف سوريا

مدير المديرية: الإطلاق جزء من خطة أوسع لإحياء التراث المخطوط

وفي تصريح لـ سوريا 29، قال مدير مديرية البحث والترجمة والنشر الدكتور مسلّم طيبة إن إطلاق هذا الكتاب يأتي في إطار خطة المديرية لإصدار مجموعة من الكتب التراثية وفق أعلى المعايير العلمية وأجود الحلل الفنية، وبما ينسجم مع هوية المكتبة الوطنية السورية ودورها الثقافي.

وبيّن طيبة أن المديرية بحثت في المخطوطات المحفوظة في المكتبة عن مؤلفات تتناول الشام ومعالمها وفضائلها، وما ورد فيها على ألسنة الأنبياء والعلماء والأدباء والشعراء، وذلك بهدف إحياء التراث المخطوط المحفوظ في المكتبة، وتأكيد دور الثقافة السورية في التعريف بهذا الإرث وإبرازه أمام الأوساط العلمية والثقافية.

وأضاف أن المديرية اختارت ثلاثة كتب تتناول الشام وفضائلها وبعض معالمها، وكان «الإعلام بفضائل الشام» في طليعتها، لافتاً إلى أن العمل على المخطوط شمل مقابلته على سبع نسخ خطية، وتصحيحه، وتوثيقه، وإخراجه بما ينسجم مع قواعد البحث العلمي المعتمدة في تحقيق النصوص التراثية.

وأشار طيبة إلى أن الكتاب لاقى قبولاً وترحيباً من الباحثين والمختصين في مجال التراث، معلناً أن المكتبة الوطنية السورية تستعد قريباً لإصدار كتابين آخرين بتحقيق المديرية، هما «الإعلام بفضائل الشام» لأحمد المنيني الدمشقي، و**«من دمشقيات ابن طولون»**، وهو كتاب يضم رسائل تتناول بعض معالم دمشق.

بداية مسار جديد للمكتبة الوطنية السورية

ويمثل إصدار «الإعلام بفضائل الشام» بداية مسار واضح تنتقل فيه المكتبة الوطنية السورية من حفظ المخطوطات إلى إحيائها وتحقيقها وإتاحتها، بما يعزز دورها في إنتاج المعرفة، ويمنح حضورها الثقافي بعداً عملياً يتجاوز التخزين إلى التفعيل والنشر.

ويرى مراسل سوريا 29 أن اختيار هذا الكتاب ليكون باكورة الإصدارات يحمل دلالة خاصة، نظراً لصلته المباشرة بتاريخ دمشق وبلاد الشام، وما يزخر به من مادة تاريخية وأثرية وأدبية يمكن أن تفتح الباب أمام دراسات جديدة، وتعيد تسليط الضوء على مكانة الشام في المدونات التراثية القديمة، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى مشاريع جادة تعيد تقديم التراث السوري بلغة علمية رصينة وصياغة نشر حديثة.

اقرأ أيضاً  حماة تحتضن أمسية "دندنة شعرية شبابية" بمشاركة نخبة من الشعراء

وبهذا الإصدار، تضع المكتبة الوطنية السورية أول لبنة في مشروع يبدو أوسع من مجرد نشر كتاب، مشروع عنوانه إحياء التراث المخطوط السوري، وإعادة وصل الذاكرة الثقافية العريقة بالحاضر، عبر أعمال محققة ومدروسة تحفظ النص، وتمنحه في الوقت نفسه حياة جديدة بين أيدي القراء والباحثين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى