اقتصاد

هل تصمد مخزونات النفط 6 أشهر؟ أزمة هرمز تضغط السوق

عواصم – سوريا 29

دخلت مخزونات النفط العالمية أخطر اختبار لها منذ سنوات، مع استمرار الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية وتحول اضطرابات الإمدادات إلى أزمة مفتوحة المدة، تضع قدرة الدول على تعويض النقص أمام سؤال حاسم: هل يستطيع العالم الصمود ستة أشهر إضافية إذا بقيت تدفقات النفط عبر مضيق هرمز مقيدة؟

ولم يعد النقاش في سوق الطاقة العالمي محصوراً بحجم المخزونات المتوافرة على الورق، بل بات مرتبطاً بالقدرة الفعلية على سحب النفط من الاحتياطيات، ونقله إلى الأسواق، ثم تكريره وتحويله إلى وقود جاهز للاستهلاك. فجزء مهم من الكميات المخزنة لا يمكن طرحه سريعاً، فيما تتعرض المصافي وشبكات النقل والناقلات إلى ضغوط متزايدة، ما يجعل الأزمة الراهنة اختباراً عملياً لكفاءة منظومة الطاقة الدولية بأكملها.

وبحسب متابعة مراسل سوريا 29 لبيانات المؤسسات الدولية وشركات الطاقة، فإن جوهر الأزمة الحالية لا يكمن فقط في تراجع الإمدادات، بل في الفجوة بين النفط المتاح نظرياً داخل المخازن، والنفط الذي يمكن ضخه فعلياً إلى السوق في الوقت المناسب. وهذه الفجوة هي التي ستحدد ما إذا كانت مخزونات النفط العالمية قادرة فعلاً على امتصاص صدمة طويلة الأمد.

2.6 مليار برميل خارج السوق

وبحسب تقرير نشرته “رويترز” اليوم الخميس، خسر العالم منذ بداية الحرب نحو 2.6 مليار برميل من إمدادات النفط، في أكبر انقطاع تراكمي للإمدادات من حيث الحجم، باستثناء الاضطرابات التي رافقت الثورة الإيرانية عام 1979.

ويعادل هذا الرقم نحو 25 يوماً من الاستهلاك العالمي وفق مستويات الطلب السابقة للحرب، والتي كانت تقترب من 103 ملايين برميل يومياً. ويعكس ذلك مدى اتساع الضغط الواقع على سوق النفط، في وقت تتزايد فيه المخاوف من استمرار القيود على أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة الطاقة في العالم.

اقرأ أيضاً  كيف تعمل أسعار الفائدة: دليل المبتدئين للمقترضين والمدخرين

وتقدّر غالبية التحليلات الحالية فجوة الإمدادات بنحو خمسة ملايين برميل يومياً، بينما ترفع أرامكو السعودية تقدير خسائر الإمدادات من منطقة الخليج إلى نحو 11 مليون برميل يومياً، في مؤشر واضح إلى أن حجم العجز الفعلي قد يكون أكبر وأكثر تقلباً من التقديرات المتداولة.

ولا تتوقف الاضطرابات عند الخليج وحده، إذ تزداد الصورة تعقيداً مع مشاكل إضافية في مناطق أخرى، من بينها تضرر خط أنابيب بحر قزوين الذي ينقل النفط الكازاخستاني، وهو ما أدى إلى تقليص تدفقات كانت تقترب من 1.8 مليون برميل يومياً.

180 يوماً.. حساب نظري لا يضمن الاستقرار

في شهر آذار الماضي، أعلنت وكالة الطاقة الدولية إتاحة 400 مليون برميل من احتياطيات الطوارئ، في أكبر عملية سحب جماعي في تاريخ الوكالة. ومع بقاء نحو 900 مليون برميل من المخزونات الحكومية لدى دول الوكالة، تبدو الكمية نظرياً كافية لتغطية فجوة إمدادات تبلغ خمسة ملايين برميل يومياً لمدة تصل إلى 180 يوماً.

غير أن هذا الحساب يبقى افتراضياً أكثر منه واقعياً. فوكالة الطاقة الدولية لا تستطيع توجيه الشركات إلى سحب مخزوناتها التجارية بالطريقة نفسها التي تدير بها الاحتياطيات الحكومية، كما أن سرعة إخراج النفط من المخازن لا تعتمد فقط على القرار، بل ترتبط بعوامل حاسمة مثل مواقع التخزين، والبنية التحتية، والطاقة الاستيعابية لوسائل النقل، وقدرات التكرير.

وهنا، يشير مراسل سوريا 29 إلى أن التحدي الحقيقي أمام الحكومات والأسواق ليس فقط في امتلاك احتياطي كبير، بل في القدرة على تحويل هذا الاحتياطي إلى إمدادات يومية مستقرة. فالتأخير في السحب أو الشحن أو المعالجة قد يخلق اختناقات واسعة حتى مع بقاء ملايين البراميل داخل الخزانات.

الخام موجود.. لكن الوقود هو المشكلة الأكبر

المخاوف الأشد لا تتعلق بسوق الخام وحدها، بل تمتد إلى سوق المنتجات النفطية المكررة، ولا سيما الديزل ووقود الطائرات. فالعالم قد يتمكن من توفير براميل إضافية من النفط الخام، لكنه قد يواجه صعوبة أكبر في تحويلها سريعاً إلى وقود صالح للاستخدام النهائي.

اقرأ أيضاً  المالية والبنك الدولي يبحثان دعم الإصلاح المالي في سوريا

ويقول بنك الاستثمار الأمريكي مورغان ستانلي إن مخزونات الديزل ووقود الطائرات العالمية تراجعت إلى أدنى مستوياتها خلال خمس سنوات، في إشارة مقلقة إلى هشاشة التوازن في الأسواق. كما أن الأضرار التي لحقت بمصافي التكرير في الشرق الأوسط وروسيا قلّصت القدرة على معالجة الخام المتاح وتحويله إلى منتجات جاهزة للاستهلاك.

وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى خروج أكثر من ثلاثة ملايين برميل يومياً من طاقة التكرير في المنطقة عن الخدمة خلال الأزمة، وهو ما يرفع مخاطر نقص المنتجات النفطية بشكل حاد، حتى في حال توافرت كميات إضافية من الخام داخل المخزونات الحكومية أو التجارية.

الصين تملك هامشاً أوسع

في المقابل، تبدو الصين من بين الاقتصادات الكبرى الأكثر قدرة على امتصاص اضطرابات طويلة في سوق النفط. فبحسب تقديرات شركة “إنرجي أسبكتس” المتخصصة في أبحاث أسواق الطاقة، بلغ مخزون الصين من الخام نحو 1.7 مليار برميل في تموز، بينما تتراوح تقديرات أخرى بين مليار و1.7 مليار برميل.

وبحسب خبراء، فإن مخزوناً بحجم 1.7 مليار برميل يمكنه تعويض واردات الصين التي كانت تمر عبر مضيق هرمز، والمقدرة بنحو 5.5 ملايين برميل يومياً، لمدة تقترب من عام كامل. وهذا يمنح بكين هامشاً أوسع من معظم الاقتصادات الكبرى التي تعتمد بصورة أكبر على التدفقات اليومية المنتظمة.

ستة أشهر تحت الاختبار

الحسابات الحالية تظهر أن المخزونات الحكومية المتبقية قادرة نظرياً على تغطية فجوة الإمدادات الراهنة لنحو ستة أشهر، لكن هذا السيناريو يظل مشروطاً بعدم اتساع الحرب وبقاء العجز عند مستوياته الحالية. أما إذا استمرت الأزمة وازدادت الاضطرابات في مسارات الإنتاج والنقل والتكرير، فإن وتيرة استنزاف الاحتياطيات قد تتسارع، وقد تتقلص فترة الصمود الفعلية بشكل واضح.

وتتضاعف أهمية مخزونات النفط العالمية مع تراجع قدرة المصافي وارتفاع الضغوط على شبكات النقل البحري والبري، ما يعني أن التحدي لم يعد يتمثل فقط في كمية النفط التي يملكها العالم، بل في كمية النفط التي يمكن إخراجها من المخازن، ونقلها، وتكريرها، وتحويلها إلى وقود فعلي يصل إلى الأسواق والمستهلكين دون تأخير.

اقرأ أيضاً  تسرب نفطي ضخم قبالة سواحل سلطنة عُمان يهدد البيئة ويفاقم اضطراب الملاحة الإقليمية

وفي الخلاصة، يبقى استقرار سوق الطاقة العالمي مرتبطاً قبل كل شيء بعودة التدفقات الطبيعية عبر مضيق هرمز. فإطالة أمد الأزمة قد تجعل مخزونات النفط العالمية مجرد خط دفاع مؤقت، لا حلاً دائماً لأزمة إمدادات تتسع يوماً بعد يوم، وتضع الاقتصاد العالمي أمام واحد من أخطر اختبارات الطاقة في السنوات الأخيرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى